رئيس التحرير
عصام كامل

الإفتاء توضح حكم الشرع في القتل الرحيم

القتل الرحيم
القتل الرحيم
18 حجم الخط

الإفتاء توضح حكم الشرع فيما يقدم عليه البعض تحت مسمى القتل الرحيم، أجابت دار الإفتاء المصرية  عن سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي على فيس بوك يسأل صاحبه عن ما حكم ما يعرف في بعض البلاد  بـ القتل الرحيم أو الموت الرحيم للآدمي المريض عند اشتداد المرض عليه والألم، وذلك بطلب منه، أو من أقربائه، أو بقرار الطبيب باعتباره المشرف المسؤول عنه؟

المقصود بـ القتل الرحيم


وقالت دار الإفتاء إن ما يسمى بـ"القتل الرحيم" أو "الموت الرحيم" للآدمي حال اشتداد المرض عليه والألم - مُحرَّمٌ شرعًا، بل هو من كبائر الذنوب وأعظمها، سواء كان ذلك بفعل المريض نفسِه، أو بفعل الطبيب بناءً على طلب المريض أو ذويه، أو بقرار منه باعتباره المشرف المسؤول عنه.

والواجب على مَن ابتُلي بمصيبة ألَّا يجزع لها، بل يستقبل قضاءَ الله بنفس راضية صابرة، ولا ييأس من رحمة الله تعالى.

من إسبانيا إلى لوكسمبورغ: كيف تنظم قوانين القتل الرحيم في أوروبا؟ | يورونيوز
القتل الرحيم 

 

حكم إقدام المريض على إنهاء حياته 


وتكيف الحالة التي يُنهي فيها المريضُ حياتَه بنفسه بأي شكل من الأشكال،  في الشريعة الإسلامية على أنها "الانتحار" أو "قتل الإنسان نفسَه".

وقد حَرَّمت الشريعةُ الإسلامية إتلافَ البدن وإزهاقَ الروح عن طريق الانتحار أو ما يؤدي إلى إتلافه؛ فأَمَرَت الإنسانَ بالمحافظة على نفسه وجسده من كل ما يُهلِكه أو يَسوؤه، ونَهت عن أن يقتل الإنسانُ نفسَه أو يُنزِلَ بها الأذى، وبيَّنت أنَّ كلَّ إنسانٍ وإن كان صاحب إرادةٍ حُرة -فيما يَتعلق بشخصه-، إلا أن هذه الإرادة مُقَيَّدةٌ بالحدود التي شرعها الله تبارك وتعالى، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

وقد "أجمع أهل التأويل على أنَّ المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعضُ الناس بعضًا، ثم لفظُها يتناول أن يقتل الرجل نفسه"، كما في "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبي.

ونهت أيضًا عن التهلكة، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. والتهلكة: مصدرٌ مِن هلك يهلك هلاكًا وهلكًا وتهلكةً، أي: لا تأخذوا فيما يهلككم، والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنَّه تهلكة في الدِّين أو الدنيا فهو داخل في هذا، كما في "فتح القدير" للعلامة الشوكاني.

وقال الإمام الطَّبَرِي في "جامع البيان" (3/ 593، ط. مؤسسة الرسالة): [إنَّ الله نَهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة] اهـ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.

وعن ثابت بن الضحّاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» متفقٌ عليه.

ومن الضروريات التي أمر الشرع الشريف بالمحافظة عليها والعناية بها: حفظُ النفس الإنسانية بما يشمل حفظ الجسد علاجًا ووقايةً وترقيةً.

ولم تكتف الشريعة الغراء بتقرير حق الإنسان في الحياة وسلامة نفسه، بل أوجبت عليه اتخاذ الوسائل التي تحافظ على حياته وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر.

ومن ثَمَّ فيَحرُم على الإنسان أن يُقدِم على إنهاء حياته  بـ القتل الرحيم  لمجرد المرض أو الألم؛ لأن ذلك يعد قتلًا للنفس، وهو منهي عنه شرعًا، بل وفيه حرمان من مقام الشهادة؛ 

حكم إقدام الطبيب على إنهاء حياة المريض


أما الحالة التي يُقدِم فيها الطبيب على إنهاء حياة المريض بـ القتل الرحيم، سواء بتوجيهٍ من المريض نفسِه أو من ذويه، أو بقرار منه باعتباره المشرف المسؤول عنه، وسواء كان ذلك بعلم المريض أو بغير علمه، فذلك قتل الإنسانِ غيرَه بغير حقٍّ؛ لأن الأصل في النفس الإنسانية عِصمتُها، وعدمُ جواز الاجتراء على إنهاء حياتها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَزَوَالُ الدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللهِ مِن قَتلِ رَجُلٍ مُسلِمٍ» أخرجه الأئمة: الترمذي، والنسائي، والبيهقي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

ومِن عِظَم شأن الدم فإنه أول ما يقضى فيه بين الخلائق يوم القيامة، فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَوَّلُ مَا يُقضَى بَينَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» متفق عليه.

ما يجب على المريض إذا اشتدَّ به المرض والألم


والذي تُوصي به دارُ الإفتاء المصريةُ مَن ابتُلي بمصيبة: ألَّا يجزع لها، بل يستقبل قضاءَ الله بنفس راضية صابرة؛ لقول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].

قال الإمام أبو حيَّان الأندلسي في "البحر المحيط في التَّفسير": [كلُّ مَن صبر صبرًا محمودًا شرعًا، فهو مندرجٌ في الصابرين] اهـ.

وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين": [أما الصبرُ على بلاء الله تعالى فلا يقدِر عليه إلا الأنبياءُ؛ لأنَّه بضاعةُ الصديقين، فإنَّ ذلك شديدٌ على النفس، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَسأَلُكَ مِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ عَلَيَّ بِهِ مَصَائِبَ الدُّنيَا»، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «انتِظَارُ الفَرَجِ بِالصَّبرِ عِبَادَةٌ»] اهـ.

الجريدة الرسمية