أعيدوا ضبط المصنع قبل فوات الأوان!
يقول الكاتب التشيكي ميلان كونديرا Milan Kundera "إن مأساة الإنسان الحديث ليست في جهله للحقيقة، بل في فقد القدرة على الدهشة أمام شدة القبح".. ما الذي جرى لنا في السنوات العشر الأخيرة؟ هل استيقظنا فجأة لنجد أن السيستم الأخلاقي للمجتمع قد تعرض لعملية قرصنة خبيثة ضربت ملفاته الأساسية في مقتل؟ أم أن العدو دخل من الشرق على طريقة يوسف السباعي في رائعته أرض النفاق، وأفرغ شاحنة كاملة من حبوب الكراهية والقسوة في مياه النيل، فشربنا منها جميعًا حتى ثملنا جفاءً وغابت عنا سماحة الوجوه وطيبة القلوب؟
المتابع لما يحدث في شوارعنا وبيوتنا لم يعد يملك إلا أن يبتسم بمرارة وسخرية سوداء تفوق خيال كافكا؛ فالمصيبة لم تعد في وقوع الجريمة، بل في تحولها إلى طقس يومي بارد، نتناوله مع قهوة الصباح كأنه نشرة جوية روتينية أو أسعار الذهب والعملات!
لقد ارتكبنا الخطيئة الكبرى حين برمجنا عقول الناس على معادلة واحدة يائسة بائسة: "أنت لست إنسانًا بمشاعرك وقيمك، بل أنت ماكينة لا تهدأ لضخ الأموال وسداد الفواتير". تحول المواطن في سباق محموم إلى ترس يدور في ساقية لا ترحم؛ يلهث من الصباح إلى المساء لا ليعيش، بل ليبقى على زر التشغيل فقط.
ومع هذا الدوران العنيف، في ساقية مجرمة فاقت سواقي الأبقار التعسة جفّت في الصدور ينابيع المودة، وصار كل شيء يُقاس بـ "الجنيه"؛ فإذا تعارضت صلة الرحم مع مصلحة مادية ألقينا بها في سلة المهملات، وإذا وقفت القيم في طريق قرش سريع دهسناها دون تردد.
حين تحول البشر إلى آلات صماء تعد وتستهلك، كان من البديهي أن تموت أرواحهم وتتوقف قلوبهم عن كل إحساس إنساني. هذه "المكننة القسرية" للنفوس تزامنت مع تجريف ممنهج للطبقة الوسطى؛ صمام أمان أي أمة والعمود الفقري لمنظومتها الأخلاقية والثقافية.
حين سُحقت هذه الطبقة بين مطرقة الغلاء وسندان التوحش الاستهلاكي، لم نفقد فقط قدرتها الشرائية، بل انهار معها ميزان العيب والأصول. انحدرت الأخلاق، وتصدر الترند المشهد، وأصبح القبح بضاعة رائجة، وبات التباهي بالانحطاط دليلًا على الفهلوة والشطارة!
لقد استبدلنا حكايات الجدعنة بجرائم نوعية تقشعر لها الأبدان؛ آباء ينهون حياة أبنائهم بضمائر باردة، وأبناء يودعون آباءهم مقابرهم أحياء بعد وصلة تعذيب من أجل ميراث، وجيران كانوا بالأمس يتقاسمون اللقمة والضحكة صاروا اليوم يتربصون ببعضهم عبر كاميرات المراقبة ومحاضر أقسام الشرطة ومنشن وزارة الداخلية، أما جرائم الأزواج والزوجات فحدث بلا حرج فهي تحتاج وحدها لألف مقال عن المودة الغائبة والرحمة المفقودة تفتتت الروابط الإنسانية..
وتلاشت صلة الرحم لتصبح مجرد رسالة جماعية باردة بلا روح على تطبيق WhatsApp نحن لا نعيش أزمة اقتصادية أو ضغوطًا معيشية عابرة، بل نعاني حالة "مسخ قيمي" أصابت السيستم الداخلي في مقتل. وعندما تهنج الأجهزة وتتداخل برامجها وتتوقف عن الاستجابة لمحاولات الإصلاح، لا يكون هناك مفر من خيار أخير لا ثاني له الضغط على زر "إعادة ضبط المصنع" Factory Reset..
إن أولى خطوات النجاة تبدأ من نزع هذا الفتيل المادي الشرس، والترياق المضاد لحبوب الكراهية التي سممت الأرواح، والتوقف فورًا عن معاملة الإنسان كآلة اله صماء؛ إننا بحاجة إلى ترميم النفوس، وإعادة الاعتبار لقيم الستر والبركة، وإحياء الضمير الجمعي، وتطهير الخطاب الإعلامي في الأساس من الهبوط والتسطيح.
أعيدوا الناس إلى فطرتهم البسيطة وإنسانيتهم النبيلة؛ فالأمم قد تصمد في وجه ضيق الرزق، لكنها تموت حتمًا إذا تحول أبناؤها إلى ماكينات بلا قلوب، وسقط من قواميسهم الإنسانية والأخلاق، دمرتم السيستم.. فأعيدوا ضبط المصنع قبل فوات الأوان.
