رئيس التحرير
عصام كامل

وزير التربية والتعليم.. موسم جلد أولياء الأمور

18 حجم الخط

"إن التعليم كالماء والهواء، حق لكل مواطن.. وإذا هان التعليم على أمة، هانت كرامتها بين الأمم" كلمات عميد الأدب العربي طه حسين قبل قرن من الزمان ومازلنا نترحم عليها..

ومع كل إشراقة شمس لخريف عام دراسي جديد، يستيقظ البيت المصري لا على بهجة العلم واستقبال المستقبل، بل على سياط أزمة لا ترحم؛ حرب اقتصادية ونفسية معلنة تُرفع فيها الرايات البيضاء استسلامًا لواقع مفروض، عنوانه الأبرز والأكثر إيلامًا: "موسم جلد أولياء الأمور"!

 

جلستُ قبل أيام أسترجع شريط العمر وأجريت حسبة بسيطة لا تحتاج إلى خبير اقتصادي بل إلى قلب يتحمل الصدمة؛ وضعت أمامي كل مليم أنفقه والدى -رحمه الله- على مسيرتي التعليمية الطويلة، منذ أن خطوت أول خطوة في سنة أولى ابتدائي، مرورًا بالإعدادية والثانوية، وصولًا إلى التخرج من الجامعة، بما شمله ذلك من مصروفات سنوية، وكراسات، وأقلام، وكتب مدرسية وخارجية، وحتى رسوم الكتب الجامعية.. 

والنتيجة كانت مدهشة  كل ما دُفع في رحلة تعليمي الكاملة عبر ستة عشر عامًا، أنفقه إبني بالتمام والكمال على حفيدي فقط في الصف الثالث الابتدائي.. عمرى في التعليم يدفعه والد تلميذ في تالتة ابتدائي في 2026!

 

يا للهول.. بطريقة يوسف وهبي! أين ذهب العقل؟ وأي مسخ هذا الذي أصاب مجتمعنا؟ هذه الحسبة المؤلمة ليست مجرد أرقام تُتلى، بل هي إحصائية تصرخ في وجه الجميع بما جرى للتعليم في مصر؛ صرخة تعري هذا التوحش الاستنزافي الذي حوّل العملية التعليمية من رسالة مقدسة لبناء الإنسان إلى سوط يلهب ظهور الأسر وتلتهم كبرياءهم أمام عيون أطفالهم!

 

أين عبارة طه حسين الخالدة بأن: التعليم كالماء والهواء؟ اليوم، جف الماء في الصنابير إلا بفواتير تثقب الجيوب، وتلوث الهواء بجشع تجار التعليم الذين تحرسهم منظومة مرعبة، وأصبح مقعد الدراسة سلعة  تُمتهن في مزادات السبوبة دون وازع من ضمير أو قانون!

 

أنظر إلى الأب المطحون وهو يُجر إلى حلبة التجهيزات؛ لا يكاد يفيق من صدمة قوائم الطلبات المستفزة للمستلزمات المدرسية وظهور مصطلح السبلايز supplies سيئ السمعة الذي بات ينافس متطلبات جهاز العروس، حتى يجد نفسه أمام الغول الأكبر: غياب شبه تام للشرح والتربية داخل الفصول، ليتحول اليوم الدراسي إلى مجرد طقس صامت وجدران لتسجيل الحضور والغياب، بينما ينتقل الثقل الحقيقي إلى بورصة السناتر والدروس الخصوصية ومافيا الكتب الخارجية التي تفرض إتاوات جبرية تفوق طاقة أسر تعيش على الكفاف.


والله إن درسًا واحدًا من أستاذي في مدرسة الشهيد إبراهيم البراجة الابتدائية محمد شاكر رحمه الله أو أستاذي في المدرسة الإعدادية العيسوي نجا حفظه الله  لهو أفضل من كل وزارة التعليم في نسختها الذكية! 


والسؤال الذي يحاصرنا جميعًا أين دور الأجهزة الرقابية من فوضى هذه المنظومة الموازية؟ وأين نواب البرلمان بغرفتيه الذين أقسموا على صيانة حقوق هذا الشعب؟ أين طلبات الإحاطة والاستجوابات الحقيقية تحت القبة لوقف هذا التغول السافر على جيوب أولياء الأمور؟ هل بات المطلوب من المواطن أن يستدين ويبيع ما فوقه وتحته ليضمن لطفل في الابتدائية حقه في فك الخط وحفظ جدول الضرب؟ وألف أرنب وباء بطة؟

يا سادة: إن انكسار الأب وهو يقف عاجزًا أو مذعورًا أمام متطلبات طفله الصغير هو طعنة في ضمير الوطن وكبريائه.
ارحموا الآباء من مواسم الجلد المنظمة والنزيف السنوي الذي لا ينتهي؛ وإن كان لا بد لوزير التعليم -بالتأكيد أتحدث عنه بصفته لا بشخصه- من معاقبة الناس بقراراته ورقابة منظومتة المفقودة، فليأخذهم على الأقل بمبادئ الرحمة، وليرفع عن ظهورهم شيئ من هذا الحمل الثقيل، بدلًا من أن تجلد كرامة الآباء ويذوقوا في كل مطلع شمس لوعة ووجع قهرًا وكمدًا وخوفًا وذعرًا وترقبًا، ارحموا الناس يرحمكم الله!

الجريدة الرسمية