رئيس التحرير
عصام كامل

فرصة لبداية جديدة

18 حجم الخط

كثيرًا ما يظن الإنسان أن بعض الفصول إذا أُغلقت، لا يمكن أن تُفتح مرة أخرى. وأن ما انكسر في الداخل لا يعود كما كان. ولكن الله لا يقف عند حدود الماضي، ولا يحبس الإنسان في أخطائه القديمة. بل من أعظم ما يعلنه لنا الإيمان، أن الله إله البدايات الجديدة. لذلك يقول الكتاب: «إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ» (2 كو 5: 17).

 

والبداية الجديدة عند الله ليست مجرد تحسين خارجي، ولا مجرد تعزية مؤقتة، بل عمل عميق في القلب. فهو لا يغيّر الظروف فقط، بل يغيّر الإنسان نفسه، ويعطيه روحًا جديدة، ونفسًا جديدة، ونظرة جديدة للحياة. وهكذا قال الرب: «وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ» (حز 36: 26). وقال أيضًا: «هَأَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا. الآنَ يَنْبُتُ» (إش 43: 19).

 

ولهذا لا ينبغي للإنسان أن ييأس من نفسه، حتى لو سقط، أو تأخر، أو ضاعت منه سنوات. لأن رحمة الله لا تُقاس بماضي الإنسان، بل بمحبة الله التي لا تنتهي. ومن أروع ما قيل في هذا المعنى: «إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ. هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ» (مرا 3: 22-23). فكل صباح مع الله يحمل إمكانية رجوع، وفرصة نقاوة، وبابًا لم يكن مفتوحًا بالأمس.

 

والتوبة نفسها هي إعلان عملي أن البداية الجديدة ممكنة. فالإنسان لا يرجع إلى الله لأنه قوي، بل لأنه محتاج. والله لا يرده إذا جاء بقلب منسحق. لذلك صلى داود قائلًا: «قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي» (مز 51: 10). ويؤكد الرسول: «إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا، وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (1 يو 1: 9).

 

ولذلك نجد في سير التائبين والقديسين، أن قصة الله مع الإنسان لا تنتهي عند السقوط، بل كثيرًا ما تبدأ من عنده بداية أعمق. فالابن الضال لم يرجع ليجد عتابًا فقط، بل وجد قلب الأب مفتوحًا وذراعيه ممدودتين، كما يقول الإنجيل: «وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ، وَرَكَضَ، وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ» (لو 15: 20). وقد قال القديس باسيليوس: «جيد ألّا تخطئ، وإن أخطأت فجيد ألّا تؤخر التوبة».

لذلك لا تقل: فات الوقت. ولا تقل: ضاع مني الكثير. ولا تقل: لا يمكن أن أبدأ من جديد. لأن مع ربنا دائمًا فيه فرصة لبداية جديدة. وما دام القلب ما زال قادرًا أن يرجع، فالباب لم يُغلق بعد. بل إن الله نفسه يقول: «هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا» (رؤ 21: 5). فليعطنا الرب جميعًا نعمة الرجوع، وفرح البداية الجديدة، وثبات المسير معه كل يوم.

الجريدة الرسمية