معرض الكتاب.. زحام الشغف!
في كل عام، ومع انطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب، يتكرر المشهد ذاته الذي يكاد يربك كل من اعتاد تفسير تراجع الوعي الثقافي في مصر بسطحية أو استعجال. ملايين البشر يتدفقون نحو مدينة الكتب كما لو أنهم ذاهبون إلى موعد مع ذاكرتهم الحضارية، لا إلى مجرد سوق لشراء المطبوعات.
وحين تتجاوز أعداد الزوار خمسة ملايين خلال أيام معدودة، ويصل الرقم في يوم واحد إلى ما يقارب تعداد بعض الدول، فإن المسألة تتجاوز الاحتفاء بالأرقام إلى ضرورة قراءة ما وراءها، لأن الأرقام أحيانًا تكون أصدق من الخطب، وأبلغ من التحليلات المتعجلة.
هذا الزحام الثقافي يضعنا أمام مفارقة مصرية خالصة؛ شعب يضيق عليه الواقع الاقتصادي، وتثقل كاهله أعباء الحياة اليومية، ومع ذلك يقتطع من قوته ووقته ليبحث عن كتاب. إن المشهد الذي يبدأ بقرار إنساني بسيط – أن يستيقظ شاب أو رب أسرة أو طالبة جامعية، ويرتدي ثيابه، ويقطع مسافات طويلة في مواصلات مزدحمة، ويدفع ثمن التذكرة وربما ثمن الكتب رغم غلاء المعيشة – لا يمكن اختزاله في وصف عابر أو تفسير سطحي.
فهذا السلوك يكشف عن أن العلاقة بين المصري والمعرفة ليست ترفًا ثقافيًا، بل نزعة دفينة في تكوينه الحضاري، نزعة قاومت قرونًا من التقلبات السياسية والاقتصادية، وبقيت متجذرة في وجدان مجتمع علّم البشرية معنى التدوين قبل أن تعرف كثير من الأمم طريق الحرف.
غير أن هذا المشهد، بكل ما يحمله من إشراق، يفتح الباب لسؤال أكثر إيلامًا: إذا كان هذا الشعب يحب القراءة إلى هذا الحد، فلماذا لا تنعكس هذه الرغبة المعرفية بوضوح في سلوكيات الشارع، ولا في مستوى الذوق العام، ولا في جودة الحوار المجتمعي؟
كيف يجتمع هذا الشغف بالكتاب مع مظاهر الفوضى اليومية، وضعف الالتزام بالقيم الحضارية في بعض المشاهد الحياتية؟
هنا تتجلى أزمة أعمق من مجرد علاقة الفرد بالكتاب، إنها أزمة منظومة كاملة تفصل بين المعرفة بوصفها اقتناءً وبين المعرفة بوصفها وعيًا وسلوكًا.. فالكتاب الذي يُشترى لا يعني بالضرورة كتابًا يُقرأ، والكتاب الذي يُقرأ لا يعني بالضرورة معرفة تتحول إلى رؤية نقدية للحياة.
إن المعرفة حين تُنتزع من سياقها التربوي والتعليمي تتحول إلى جهد فردي معزول، أشبه بجزر ثقافية متناثرة لا تصنع قارة وعي متكاملة. وهنا يبدو معرض الكتاب، رغم عظمته، أقرب إلى احتفال موسمي بالثقافة، بينما تظل الحاجة قائمة إلى مشروع معرفي ممتد يجعل القراءة جزءًا من نمط الحياة اليومية، لا مناسبة سنوية يفيض فيها الشغف ثم ينحسر مع انطفاء أضواء الأجنحة.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الأرقام أنها تفضح أحد أكثر التفسيرات راحة وسهولة لأزمة الصحافة الورقية، وهو الادعاء بأن القارئ المصري هجر الورق واتجه إلى الإعلام الرقمي. فلو كان القارئ قد فقد علاقته بالورق، لما تحمل مشقة الوصول إلى المعرض، ولما أنفق ماله على الكتب.
الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها أن الأزمة لم تكن يومًا في القارئ، بل في المحتوى الذي فقد روحه، وفي صحافة أفرغت نفسها من دورها، حتى تحولت في كثير من الأحيان إلى نشرات رسمية لا تنبض بهموم الناس ولا تعكس أصواتهم.
فالقارئ الذي يندفع إلى شراء كتاب يبحث عن فكرة، وعن معنى، وعن حوار عقلي، لا عن عناوين إنشائية وعبارات تلميع لا تضيف إلى وعيه شيئًا.
كما تضع هذه الظاهرة منظومة التعليم أمام مرآة قاسية؛ إذ يبدو أن كثيرًا من الشباب يلجأ إلى القراءة الحرة ليعوض ما لم يجده في قاعات الدراسة. وهذا ليس عيبًا في المجتمع بقدر ما هو دليل على حيويته، لكنه في الوقت ذاته إدانة صامتة لنظام تعليمي ما زال يعتمد على التلقين أكثر من صناعة العقل النقدي.
فحين يتحول معرض الكتاب إلى مساحة بديلة للتعلم، فهذا يعني أن المدرسة والجامعة لم تنجحا بعد في إشباع فضول الطالب المعرفي، ولم تتحولا إلى بيئة تصنع قارئًا دائمًا، بل أحيانًا تصنع حافظًا مؤقتًا للمعلومات.
ومع ذلك، فإن اختزال الحالة المصرية في ثنائية التفاؤل المطلق أو التشاؤم الكامل يبدو ظلمًا للحقيقة. فالإقبال على المعرفة مؤشر على أن جذوة القيم الثقافية لم تنطفئ، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الحالة الأخلاقية للمجتمع.
فالأخلاق لا تنبت في تربة القراءة وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشترك فيها الأسرة والتعليم والإعلام والبيئة الاجتماعية. وربما يمكن القول إن المجتمع المصري ما زال يحتفظ بالبذور الصالحة، لكنه يحتاج إلى مناخ تربوي وثقافي قادر على رعايتها حتى تتحول إلى سلوك حضاري مستقر.
إن أرقام معرض الكتاب تقول بوضوح إن أزمة الثقافة في مصر ليست أزمة جمهور، بل أزمة منظومة. فالشعب الذي يزاحم من أجل كتاب، ويشم رائحة الورق كما لو كانت رائحة التاريخ نفسه، لا يمكن وصفه بأنه شعب معادٍ للمعرفة. لكنه شعب يبحث عن طريق يجعل المعرفة قوة حقيقية في حياته، لا مجرد متعة ذهنية عابرة.
وربما تكمن المأساة والرجاء في آن واحد في أن المصري ما زال يؤمن بأن خلاصه يبدأ من صفحة كتاب، حتى وإن تعثرت الطرق التي تقوده من المعرفة إلى الوعي، ومن الوعي إلى السلوك، ومن السلوك إلى نهضة حقيقية تعيد للثقافة دورها بوصفها روح المجتمع، لا مجرد زينة موسمية في أروقة المعارض.
