اعتقال مادورو.. مونرو 2
في الثالث من يناير 2026 استيقظ العالم على صدمة اعتقال قوات النخبة الأمريكية (دلتا) للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتي نفذته بسهولة وسرعة خاطفة، بصورة من الصعب أن تنفذ هكذا فيما يسمى الدولة الفاشلة وجمهوريات الموز.
وتم الاعتقال بعد مشاحنات واتهامات بين إدارة ترامب وحكومة مادورو منذ منتصف نوفمبر الماضي، على خلفية -بحسب الرواية والاتهامات الأمريكية - محاكمة مادورو في الولايات المتحدة بسبب الاتجار بالمخدرات.
القاصي والداني يعلم علم اليقين أن تلك التهمة باطلة، إذ أن تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة تضطلع به بصورة كبيرة دول أخرى مجاورة لفنزويلا، والأخيرة حتى ليست دولة ممر لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، وحتى وإن كانت التهمة صحيحة، فإن ذلك لا يبرر على الإطلاق اعتقال رئيس دولة كبيرة بتلك الطريقة المهينة.
وبالتالي، فالرواية الشائعة حول ذريعة اعتقال مادورو وهي الهيمنة الأمريكية على نفط فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي في العالم، صائبة نسبيًا، أو بالأحرى تُعد حلقة هامشية للغاية ضمن حلقة جيوسياسية استراتيجية أرحب للجوار الأمريكي برمته، وبخاصة أمريكا الجنوبية، بموجب إعادة التوجه الاستراتيجي الجديد للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي والقطب الشمالي، والذي بات يعرف بـ (مبدأ مونرو 2).
في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في ديسمبر الماضي، تم إحداث تحول في التوجه الاستراتيجي للولايات المتحدة صوب نصف الكرة الغربي، بدلًا من المحيط الهادئ ومنطقة الباسيفيك، بصورة أذهلت المراقبين، لأن المحيط الهادئ وآسيا عمومًا من المفترض أن يظل الأولوية الاستراتيجية، حيث التحدي الصيني لا يزال قائمًا ويتقوى، والمركز الاقتصادي العالمي الآخذ في الازدهار.
ووراء هذا التحول مكمن رئيسي وهو عقيدة ترامب الشعبوية شبه الانعزالية، والتي تقتضي عملًا بمبدأ مونرو الأول الذي ظل المرتكز الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية قبل الحرب العالمية الثانية والتخلص من العزلة الدولية؛ ضمان الهيمنة التامة على الخلفية والجوار الأمريكي برمته خاصة أمريكا الجنوبية، مقابل الحد من الانخراط الأمريكي في العالم، ومن ثم، الحفاظ على القوى الاستثنائية الأمريكية، لأن العزلة الدولية لا سيما بعيدًا عن شؤون أوروبا - وفقًا لداعميها التاريخيين - تمثل حجر الأساس للحفاظ على وضع أمريكا الاستثنائي في العالم.
والمكمن الثاني المرجح لهذا التحول نابع من الإدراك التام لدوائر صنع السياسة والقرار العميقة في واشنطن، أن كبح طموح القوى الصاعدة خاصة الصين وروسيا في اقتسام خطوط ومراكز النفوذ عالميًا، قد أمسى مستحيلًا.
وبالتالي، الخيار هو العودة لما يسمى توزيع الهيمنة الإقليمية في إطار توزيع النفوذ الجيوسياسي عالميًا بين القوى الكبرى: الولايات المتحدة نصف الكرة الغربي، والصين المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي بالتركيز على جنوب شرق آسيا بما في ذلك تايوان، وروسيا أوروبا الشرقية ووسط آسيا، وربما لحدود تتخطى أوكرانيا.
في استراتيجية الأمن القومي، تم التأكيد بعبارات صريحة ما مؤداه أن الولايات المتحدة تعمل على استعادة مبدأ مونرو، أي وفقًا للاستراتيجية، استعادة هيمنتها الساحقة في نصف الكرة الغربي، وأن تكون القوة المهيمنة الوحيدة هناك التي لا تنازعها أية قوى أخرى.
وإلى جانب ذلك، قالت الاستراتيجية إن الولايات المتحدة ستعمل على إحاطة نفسها بدول صديقة، وندعم الاستقرار في جوارنا، ونقضي على عصابات المخدرات والتهريب، وسنعزز استثماراتنا خاصة في النفط.
ونستخلص مما سبق أن تدشين الولايات المتحدة العام الجديد بصدمة اعتقال مادورو ما هو إلا إشارة البدء لانطلاق مونرو-2، ومادورو تحديدًا واعتقاله بهذه الطريقة غير الشرعية المهيمنة لغرض إرسال رسائل شديدة القوة.
لعل الرسالة الأولى هي لجميع حكام أمريكا اللاتينية اليساريين المناهضين للولايات المتحدة، بأن عليهم من الآن الدوران التام في فلك واشنطن، إما مواجهة نفس مصير مادورو، ويتضمن ذلك فك الارتباط الآخذ في التنامي مع القوى المعادية خاصة الصين.
والرسالة الثانية هي لجميع القوى الدولية الساعية لتعميق نفوذها في نصف الكرة الغربي خاصة أمريكا الجنوبية، وتحديدًا الصين، مفادها أن واشنطن لن تتوانى مطلقًا عن الدفاع عن هيمنتها هناك، مقابل إطلاق العنان لكم في نفوذكم الإقليمي، ربما لا يعلم الكثير أن هناك معاهدة دفاع مشترك بين فنزويلا وروسيا، لكن قد تبدى تمامًا أن واشنطن لا تخفيها تلك المعاهدة.
الرسالة الثالثة والتي بموجبها تم اختيار فنزويلا تحديدًا، تكمن في أن نفط نصف الكرة الغربي برمته يجب أن يكون خاضعًا لواشنطن كسلاح اقتصادي واستراتيجي في نفس الوقت.
خلاصة القول، في خضم تصريحات ترامب حول اعتقال مادورو، قال إن اعتقاله هو بداية لعودة مبدأ مونرو لاستعادة واشنطن نفوذها في نصف الكرة الغربي، واشنطن ماضية بقوة في استعادة هيمنتها الساحقة هناك، ومن ثم، سيترتب على ذلك مجموعة تداعيات خطيرة، من أهمها فرض غطرسة مفرطة على دول المصالح الاستراتيجية لواشنطن هناك، ربما يفضي إلى احتلال جرين لاند -حيث بدأ التصعيد من الآن- وبنما، وليس من المستبعد كندا، تراخٍ أمريكي شديد في الدفاع التاريخي عن تايوان، وتخلٍ شبه تام عن أوكرانيا، وأمن أوروبا بصورة عامة.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

