صرخات الألم والعذاب في عيون أطفال الحروب.. بتر أطراف ومشاهد مرعبة بسبب الإبادة الإسرائيلية بغزة.. اغتصاب الأمهات على يد مليشيات "الدعم السريع" بالفاشر.. وصدمات نفسية تهدد مستقبلهم
تتكرر الحروب وتتبدل الساحات، ويبقى الأطفال الخاسر الأكبر من خلال ذكريات تتجاوز صدمتها حدود أعمارهم، ومشاهد قاسية تصيبهم بجراح لا تلتئم.
ويكشف تقرير أعده المراسل الصحفي فيرجال كين، ونشرته هيئة الإذاعة البريطانية، الأثر العميق والعابر للأجيال الذي تخلفه الحروب على الصحة النفسية والعقلية للأطفال، وكيف يمكن أن تمتد الصدمة من لحظة العنف إلى أجيال مقبلة تعاني صدمات الخوف والقلق وفقدان الأمان.
يقول كين: إن نشأة الطفل في أجواء الحرب تؤثر على عقليته، وتتجلى تبعات ذلك بعد سنوات طويلة! ففي 16 يوليو 2024، استهدفت غارة جوية مدرسة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. وأُصيب الطفل الفلسطيني عبد الرحمن، البالغ من العمر 11 عاما، إصابة بالغة، واضطر الأطباء إلى بتر ساقه، بعد فترة قصيرة من مشاهدة جثة والده التي خرجت أشلاء؛ وما بين بتر قدمه وأشلاء دخل الطفل نوبة اكتئاب، ويشد شعره، ويضرب نفسه بقوة كلما شاهد أصدقاءه يلعبون بينما هو جليس مقعد متحرك.
ويضيف: "عندما التقيت عبد الرحمن في أحد مستشفيات الأردن في مايو 2025، بدا منطويا وحذرا. وقال لي: سنعود إلى غزة. سنموت هناك".
ويروى المراسل كيف أن بعض الوجوه لم تفارق ذهنه، وكأنه التقاها بالأمس؛ ومنها حالة الطفل أدوناي ميخائيل الذي التقاه على قمة تل في إريتريا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
صرخات الألم وآيات العذاب الخالص في عيون الأطفال
وسقط ميخائيل ضحية غارة نابالم إثيوبية، وكان يصرخ من شدة الألم فيما كانت الرياح تنثر الغبار على جراحه. تلك الصرخات وآيات العذاب الخالص في عينيه، دفعتاني إلى الفرار من الخيمة التي كان يعالج فيها.
ويتابع: في بلفاست، بعد ذلك بسنوات قليلة، أتذكر صبيا كان يسير خلف نعش والده الذي قتل في تفجير نفذه الجيش الجمهوري الإيرلندي. ولم أكن قد لمست من قبل ذلك القدر من البعد والشرود في عيني إنسان.

وفي سيراليون، يتذكر كين تلك الفتاة التي بترت يداها على يد أحد عناصر الميليشيا وهو في حالة سكر؛ كنا يذكر حالة طفل رواندي انهار باكيا عندما سأله لماذا يناديه الأطفال بـ"القنبلة"، وعرف أن الأمر يعود إلى إصابته في انفجار أودى بحياة والديه.
وفي السودان، شهد الصغار في أكتوبر 2025 اغتصاب أمهاتهم وأخواتهم على يد عناصر ميليشيا "الدعم السريع" في الفاشر بإقليم دارفور.
ملايين الأطفال ينتظرون مستقبلا غامضا
ووفق "هيئة الإذاعة البريطانية"، عاش نحو 520 مليون طفل في مناطق نزاع؛ أي ما يقدر بطفل واحد من كل خمسة أطفال في العالم؛ فيما تصف تيريزا بيتانكورت مؤلفة كتاب "من الظلال إلى النور"، الذي يتناول تجارب الأطفال المجندين سابقا، هذا الوضع بأنه "أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية"، محذرة من أن "الصدمة النفسية يمكن أن تؤثر على تطوير بنية دماغ الأطفال الصغار، بما يخلف تبعات دائمة على التعلّم والسلوك، وعلى الصحة الجسدية والنفسية على حد سواء".
أضرار صحية طويلة الأمد
يقول كين: هناك أيضا احتمال بحدوث أضرار صحية طويلة الأمد، مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية، وترتبط بما يعرف بـ"الإجهاد السام"، حيث يغرق الجسم في هرمونات مثل الكورتيزول والكاتيكولامينات، التي تؤدي إلى إفراز الأدرينالين.
ويضيف: ثمة مجال بحثي آخذ في التطور يعرف بعلم التخلق (الإيبيجينتيك)، يطرح سؤالا محوريا: هل يمكن لتجربة الصدمة لدى جيل ما أن تظهر لدى الأجيال اللاحقة، من خلال تغيرات في طريقة عمل جيناتنا؟
تزايد احتمال انتقال الصدمة عبر الأجيال
ويضع المراسل الإجابة عن لسان أستاذ علم النفس في جامعة سري مايكل بلويس قائلا: أعتقد أن هناك بعض الأدلة على وجود نوع من انتقال الصدمة عبر الأجيال. جزء منه -أو ربما معظمه- يحدث عبر الممارسات الاجتماعية أكثر منه عبر آليات بيولوجية، لكن هناك أيضا مؤشرات إلى وجود عوامل وراثية لا جينية.
وبحسب تيريزا بيتاكورت، فإن "الأطفال في مناطق الحروب لا يواجهون فقط فقدان مقدمي الرعاية والانفصال القسري المؤلم فحسب، بل إن مقدم الرعاية نفسه، حين يعاني من صدماته الخاصة وضيقه النفسي، قد لا يتمتع بالقدرة الكاملة على حماية طفله أو إرشاده خلال أهوال الحرب".
التغلب على الخوف واستعادة السيطرة
يقول كين: الكلمات عن المكان الآمن تستحضر في ذهني صديقتي بياتا أوموبييي مايريس، والفارق الذي أحدثه الاستقرار في حياتها، فقد كانت في الخامسة عشرة من عمرها عندما اندلعت الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. فخلال يوم قتل ما يصل إلى 800 ألف شخص، معظمهم من أقلية التوتسي.
ويتابع: بوصفي صحفيا، سافرت ضمن القافلة التي أجلت عشرات الأطفال الأيتام - وكانت بياتا أوموبييي مايريس من بينهم- عبر حواجز طرق أقامتها ميليشيا "إنترهاموي" القاتلة. لقد كانت تجربة مرعبة، لاسيما للأطفال الذين قتلت عائلاتهم؛ ومن حاجز إلى آخر، لم نكن نعرف إن كانت العصابات المسلحة بالمناجل ستهاجمنا أم لا.
وبعد سنوات، حين بدأت بياتا سرد تجربتها الشخصية -التي نشرت لاحقا في كتابها القافلة- تواصلت معي. وأتذكر أنني تأثرت كثيرا بهدوئها وانفتاحها. فهي اليوم متزوجة ولديها طفلان، وتعيش في فرنسا، وأصبحت كاتبة ناجحة.

تقول بياتا: أول ما ساعدني كان المنفى إلى فرنسا، ومغادرة مسرح الإبادة. وجدت نفسي في أمان، في مكان هادئ، مع مأوى، وعائلة حاضنة تكفلت بجميع احتياجاتي المادية، وإمكان مراجعة أخصائي نفسي. عدت إلى المدرسة، وكان لذلك أيضا أثر كبير في شفائي.
عندما يتجرد العالم من إنسانيته
ورغم هدوئها الظاهر، ظلت بعض المخاوف تلاحق بياتا، فقد أصابها الهلع ذات ليلة عندما عزفت الراديو قطعة موسيقية شبيهة بتلك التي كانت تبث على الإذاعة الرواندية ليلة اندلاع الإبادة. كما أن الألعاب النارية أو صوت إطلاق النار من قبل الصيادين كانا يدفعانها إلى الاختباء تحت مقعدها في الصف لأنها كانت تعتقد أن الحرب قد اندلعت في فرنسا.
ويقول كين: سألت بياتا عما إذا كانت تبذل جهدا واعيا لحماية أطفالها من توارث صدمة الإبادة الجماعية، فقالت: هناك أشياء يصعب روايتها للأطفال مثل كيف جردنا من إنسانيتنا، وكيف كدت أُغتصب. وهنا يصبح مصطلح "ما لا يقال" مفهوما تماما عندما نحاول نقل القصص إلى الأطفال. نحن نخاف من أن نلوثهم بصدماتنا.
وعلى الرغم من أنها تعيش حياة مكتملة وسعيدة، لا تزال بياتا تعاني القلق، وتتناول مضادات الاكتئاب للتعامل مع الأرق.
في غزة.. من نجوا يعيشون صدمة لا تنتهي
يقول بلويس: "هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد ضحايا لمشكلات في الصحة النفسية. إنهم صغار لهم اهتماماتهم، لذا يحتاجون إلى الذهاب إلى المدرسة، ويحتاجون إلى فرص للعب معا؛ ويدرك علماء النفس العاملون في غزة هذه الاحتياجات جيدا؛ فقد كتب ديفيد موزاردو الذي تطوع مع "أطباء بلا حدود"، عن محاولاته تقديم العلاج النفسي على خلفية الطائرات المسيرة والانفجارات.
ويضيف: في غزة، ينجو الإنسان، لكن التعرض للصدمة مستمر. كل شيء مفقود، حتى فكرة المستقبل نفسها. بالنسبة للناس، فإن أشد مصادر العذاب ليس ما يحدث اليوم مثل القصف، والقتال، والحداد، بل ما سيأتي بعد ذلك. هناك قدر ضئيل جدا من الثقة بالسلام أو بإعادة الإعمار، وقد أظهر الأطفال الذين رأيتهم في المستشفى علامات واضحة على التراجع النفسي.
ويختتم المراسل شهادته قائلا: تلك هي المأساة المتواصلة للأطفال العالقين في حروب لم يبدأوها، ولا يملكون أي سيطرة عليها. ومع كل ما راكمته البشرية من معرفة حول علاج الصدمة، إلا أنها لا تزال بعيدة عن معالجة سببها الجذري، وهو الحرب نفسها.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا




