لماذا نبحث عن الأب والأم في وزارة الداخلية؟
نتابع بأسى مشاهد تتكرر على صفحات التواصل الاجتماعي وفي شوارعنا، صور ومقاطع فيديو لبنات يتصرفن بشكل غير لائق في وسائل النقل، وشباب يعتدون بالقول والفعل على الآخرين في الطرقات. يثور في نفوسنا الغضب والاستياء، ويتجه سيل من اللوم والعتاب نحو وزارة الداخلية: "الحقوا هؤلاء! أين الأمن؟ لماذا لم يتم القبض عليهم بعد؟" وكأن هذه المؤسسة الأمنية أصبحت هي الأب والأم، هي المسؤول الأول والأخير عن تقويم سلوك أفراد المجتمع وتربيتهم.
وأنا معاكم طبعا أن تلك المؤسسة هى المنوط بها تطبيق القانون، وهذا دورها الرئيسي ونطالبها بالمزيد، لكن، أين ذهبت الأدوار الأخرى؟ أين دور البيت الذي من المفترض أن يغرس القيم والأخلاق الحميدة في نفوس الأبناء منذ نعومة أظفارهم؟ لو أن هاتين الفتاتين اللتين ظهرتا في فيديو المترو وجدتا من يرعاهما ويوجههما في بيئة سليمة، هل كانتا ستتصرفان بتلك الطريقة؟
والشاب الذي يتفوه بألفاظ بذيئة واعتدى على سائق آخر، لو أنه نشأ على احترام الآخرين وتقديرهم، هل كان ليقدم على هذا الفعل المشين؟
المشكلة تكمن في هذا التراخي الجماعي، هذا بجانب إلقاء المسئولية على عاتق طرف واحد.. وزارة الداخلية ليست مؤسسة تربوية بالأساس، دورها حفظ الأمن وتطبيق القانون. أما التربية والتنشئة السليمة فهي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمدرسة التي يجب أن تكون صرحًا للأخلاق قبل العلم، وصولًا إلى المؤسسات الدينية كالأزهر والكنيسة التي لها دور محوري في تعزيز القيم الروحية والأخلاقية في المجتمع. أين دور هذه المؤسسات في مواجهة هذا التدني الأخلاقي الذي نراه يتفشى في شوارعنا؟
لا يمكن أن نتوقع من وزارة الداخلية وحدها أن تقوم بدور الأب والأم والمدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية. إن هذا الانحدار الأخلاقي الذي نشاهده هو نتاج خلل في منظومة القيم والمبادئ التي يجب أن يتشارك الجميع في غرسها وحمايتها. لقد تخلينا عن أدوارنا، وتركنا الساحة خالية لظهور مثل هذه السلوكيات الشاذة.
حان الوقت لأن يستفيق الجميع، وأن يعي كل فرد ومؤسسة دوره الحقيقي في بناء جيل واعٍ ومتحضر، جيل يحمل في داخله قيم الاحترام والتسامح والأخلاق الحميدة. بدلًا من أن نوجه أصابع الاتهام فقط إلى وزارة الداخلية، يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا نحن؟ وأين دورنا في هذه المسؤولية الكبيرة.
