رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

وجع الفراق

Advertisements

قد يظن البعض وخاصة بعض الرجال الذين لم يحظوا بتجربة الزواج من قبل، أن وفاة الزوجة، هو ميلاد مرحلة جديدة من الحرية والعلاقات النسائية، أو أنها مرحلة توقف والتقاط الأنفاس، وفك قيود الزوجية، وفى الحقيقة هم واهمون. لا تخلو حياة زوجية من منغصات يومية، وانفعالات متبادلة بين قطبي البيت، ما بين شد وجذب، عواصف ثم سكون، مبارزات كلامية يعقبها هدوء وسكينة.

 

وتمر الأيام والشهور ويتعود كل طرف على شريكه، بحلوه ومره، وتصبح بهارات الزواج من أساسيات الحياة التي لا تحلو إلا بها، ثم تمر السنوات، ويكبر الأبناء ويتزوجون، ويذهب كُل في طريقه، ويبقي القطبان وحيدين، متفقين ضمنيا على التعود واستيعاب الآخر، وتمرير المشكلات، وقد شارفت مركب الزواج على الوصول إلى الشاطئ النهائي، وباتت الألفة والمحبة والعشرة هي الوثاق الوحيد الرابط للطرفين.

 

صورتان لم تبرحا ذهني خلال أقل من أسبوع، الأولى كانت لفنان قدير لحظة تشييع شريكة عمره، أما الثانية فكانت لإعلان وزير سابق، وفاة شريكة حياته، وشعرت معهما بفداحة المصاب، ووجع الفقد، والاستعداد لاستقبال أيام مقبلة، أثقل من الجبال، فقد ذهبت من كانت  الونس، وبقيت الوحدة والشرود، والحنين إلى عشرة الماضي.

درس قاس


منذ ٢٥ عاما تقريبا، حضرت جنازة زوجة صديق، توفاها الله، وتركت صغارا ثلاثة، ولا أعلم حينها لماذا أسررت إلى نفسي قولا سفيها، بأن صديقي هذا سيكون منشرح القلب بعد أن زال أقوى أسباب تحمله الهم.

 

كنت أرقب نظرات عينيه من بعيد، وحينها لقنتني تلك النظرات الممزوجة بالدموع، درسا قاسيا، إذ أخبرتني بكل شيء، أخبرتني كيف سيعود إلى بيته وحيدا فيجد أماكنها خاوية، كيف انتهت المشاكسات، التي لا تحلو الحياة إلا بها، كيف بات عليه إكمال مشوار الصغار منفردا، أو أن يحسب حساباته جيدا قبل الإقدام على خطوة تعويض الفقد الموحش، بزوجة جديدة غريبة عن أولاده.

 

فارقت أمى رحمها الله بإذنه تعالى، الحياة قبل وفاة أبي بتسعة أعوام، ورغم وجودنا أنا واخوتي إلى جواره دائما، إلا أننا كنا نرقب فى عينيه دائما، نظرات شاخصة، تسترجع ما فات من عشرة 41 عاما، بكل عواصفها ولحظات سعادتها وسكونها، وقد ناشدناه أن يطلب للزواج من يرغب كى تكمل معه أيامه، لكن الإجابة جاءت قاطعة، بأن من تأتى، مهما كانت، لن تعطي ولن تغطى بمظلة حبها واهتمامها إن حدثت ربوع البيت، مثلما كانت تفعل أمي بحنانها ولين قلبها.

 

 

لا يتصور مرارة فقد الزوجة، إلا من اكتوى بنارها، وخوت عليه جدرانه وحيدا، مهموما ينتظر قدره، فما أحلى الحياة بهن حتى لو كانت مختلطة بالمشاحنات، فالطعام المتبل شهي، ولا تطيب الحياة إلا بالجدال مع شريكة العمر.

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية