رئيس التحرير
عصام كامل

في ذكرى ميلادها.. نوال السعداوي قائدة ثورة تحرر المرأة ومساواتها بالرجل

نوال السعداوي
نوال السعداوي

"من قام بحمايتي هو عملي، ما جعلني قوية هو عملي، إنتاجي، عقلي.. وليس الزوج.. الزوج لا يحمي، فهو مستعد أن يتخلّى عني لأجل نزوة".. أشهر أقوال المفكرة الدكتور نوال السعداوي، التي كانت أهم مناهجها في الحياة حتى رحلت صباح 21 مارس 2021، بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 90 عامًا.

ولدت الكاتبة نوال السعداوي في مثل هذا اليوم في 27 أكتوبر 1931 من محافظة القليوبية وتخرجت في كلية الطب لتعمل طبيبة أمراض صدرية وهى في نفس الوقت كاتبة وروائية مصرية مدافعة عن حقوق المرأة.

دافعت الكاتبة نوال السعداوي عن قضايا المرأة، وكان لها آراء عن قضايا المرأة مثيرة للغاية، فاشتهرت بمحاربتها ظاهرة ختان الإناث، والزواج المبكر وتعدد الزوجات، ودعمت عمل المرأة وتملكها قرارها، ونشرت مجموعة من الأعمال الأدبية التي تناقش مشاكل المرأة، ولكن أسلوب تناولها لتلك المشاكل أثار غضب الكثيرين، وأدى إلى فصلها من وزارة الصحة، ورغم دفاعها عن المرأة عرفت بعداوتها للرجال.

أنوثتي.. تلخص هذه الكلمة الحالة التي وصلت لها الدكتورة نوال السعداوي، وهي تصف مشاعرها إزاء فترة طفولتها، خلال استعراضها لسيرتها الذاتية في كتاب «مذكرات طبيبة».

أنوثتها في الطفولة

في كتابها، تحكي السعداوي عن حجم القيود الكثيرة التي عانت منها فور نمو وعيها، وتأثرت بها بشدة وجعلتها تكره أنوثتها، بعدما شعرت أن أنوثتها كالسجن بالنسبة لها، وهذا لم يبدأ معها بعدما ظهرت عليها معالم الأنوثة، وإنما منذ أن كانت في مرحلة الطفولة.
تكشف السعداوي عن حجم الاختلاف الكبير في طريقة التربية بينها وبين أخيها الصغير، هذا الحجم شمل كافة جوانب حياتها بدءً من حرية الحركة، فالأخ يُمكنه الخروج واللعب في الخارج بدون استئذان، ولكن نوال لا يمكنها فعل ذلك. الأخ يستطيع تصفيف شعره كما يريد، ويُمكنه ترْك شعره حرًا بلا تمشيط، أمّا الطفلة والفتاة نوال فعليها دائمًا أن تُبقي شعرها طويلًا ومُمشطًا، بل وبلغت التفرقة بينهما، بحسب الطبيبة، إلى طريقة الجلوس التي يجب اتّباعها، فهنالك طُرق جلوس لا يصح للفتاة أن تستخدمها، وهو ما عليها الالتزام به.
من وحي هذه التجربة، توضح الكاتبة أنها تأثرت كثيرًا بسبب هذه القيود الاحترازية المُبالغ فيها، بحُكم كونها فتاة، كان أول هذه التأثيرات وأعمقها أنها كرهت مظاهر أنوثتها، واعتبرت أن كونها فتاة هو أمر يُثقلها بالأعباء كلما كبرت، ما جعلها تعتبر نفسه سجينة «جسد أنثوي» تتمنى تغييره ولا تستطيع.

مرحلة المراهقة

تفاقم هذا الشعور مع السعداوي كلما كبرت، وعندما دخلت في طور المراهقة ضاق عليها السجن أكثر فأكثر. تحكي أنها كلما عانت من آلام الدورة الشهرية أصبحت كالحجر فوق السرير لا يُمكنه الحركة، ولهذا كانت أيامها تنسحب من جميع تجمعات الأطفال، بعدما شعرت دائمًا أن مظاهر أنوثتها يجب إخفاؤها دائمًا، وكأنها مظاهر للخزي والعار، وهذا الانسحاب حدث لجميع صديقاتها، فانسحبن من الحياة واحدة تلو أخرى.

الاعتداء عليها

تقول نوال إنها لم تستطع منع نفسها تمامًا عن مجتمع الأطفال، وإن كانت حُرمت من اللعب معهم كانت تجلس على دكة البواب وتشاهدهم من بعيد، وهو ما جعلها عُرضة للتعامل مع البواب الذي حاول الاعتداء عليها، وعندما أخبرت أمها وضعت اللوم عليها.
من بعدها التزمت الفتاة نوال السعداوي الصمت، وشعرت أن هذه الحادثة، تحديدًا، أغلقت عليها سجنها أكثر فأكثر، كما أورثتها عُقدة تجاه الجنس الآخر (الذكور)، الذين لم يروا فيها إلا مُجرد «فتاة» يجب استهداف أنوثتها بشتّى الوسائل، فسعت بكل قوتها للابتعاد عنهم.

التمرد الأول
 

أول ضحية لنوال السعداوي كان شعرها الطويل والكثيف، تحكي الطبيبة، أنها ذهبت إلى «الحلاق» وطلبت منه أن يقصه، وما أن شعرت بخصلاتها وهي تهوي على الأرض حتى أحست كما لو أنها تتخلص من تاج.
حينها شعرت السعداوي، أنها لا يجب أن تؤمن بأشياء يمكن التخلص منها في لحظة واحدة، وكان هذا أول كسر للقواعد التي وضعها عليها المجتمع، وأحست أنها كسرت أول قضيب فى قضبان سجنها، وهو ما أكسبها القوة في مواجهة أمها التي اعترضت بشدة على «حادثة الحلق»، فلم تهتز ولم تخف منها خلال المواجهة التي جمعت بينهما، واحتملت صفعات أمها المتكررة بقوة.

تجربة الزواج الأولى
 

تحكي نوال، أنه في أحد الأيام جاء «رجل غريب» إلى منزلها وجلس مع أبيها، وفوجئت بأمها تأمرها بأن تلبس الفستان البني، الذي يبرز معالم أنوثتها أكثر من غيره، وما إن جلست بالثوب البني أمام الضيف غير المُنتظر، شعرت بأنه ينتهك جسدها بنظراته، لذا صرخت فيه وتركت له المكان وعادت إلى غرفتها.

كانت هذه أول تجربة لها في عالم الزواج، بعدما علمت أن الرجل، الذي راح يتفحص جسدها، كان أول عريس يتقدّم لها.

اتضح لنوال خلال هذه الفترة، أن المجتمع يعتبر أن زواج الفتاة «مصير محتوم» عليها أن تستعد له بكل الطُرق، وهو ما أشعرها بالإحباط في أن الجميع يرون أن مستقبلها سيكون فقط «زوجة» ليس عليها إلا أن تخدم رجلها بكل السبل.

3 زيجات
 

ورغم وصفها الدائم لمؤسسة الزواج بالمؤسسة العبودية والظالمة، فقد تزوجت 3 مرات، فالمرأة الأولى كانت من صديقها الدكتور أحمد حلمي، وجدت رجلًا لم يتربَ على قواعد المجتمع الذكورية التي تربّت هي عليها، وشعرت أن الفروق والجسور التي وضعها المجتمع بين الرجل والأنثى تذوب على يده.

وفي لحظة اقترانهما رفضت أن يوثق زواجها عقد كشئون البيع والشراء، شعرت بالنفور وكادت تقطع عقد الزواج، ولكن زوجها أقنعها بأنه «مجرد ورق روتيني» لا دلالة له على الطريقة التي ستسير عليها حياتهما، ورغم أنها انصاعت لرغبته، لكنها شعرت أنها توقع على شهادة وفاة وليس عقد زواج.
وبدأ يسعى لفرض سيطرته عليها، حاول الحد من حرية حركتها إلى خارج البيت، وحتى إلى عملها، مستخدمًا الحجة إلى يُفضّلها الرجال؛ أخبرها أنه يغار عليها ويخشى عليها من الرجال الآخرين.

الانفصال الأول
 

وفي حوار دار بينها وبين زوجها قال لها أنا الرجل أنا صاحب سلطة هذا المنزل، وهنا علمت أن زوجها لا يختلف كثيرًا عن غيره من الرجال، يمتلئ بالعُقد النفسية والرغبة المُطلقة في السيطرة على النساء، فقررت فورًا الانفصال عنه، وتحكي أنها فور أن أصلحت «هذا الخطأ» عادت إلى حياتها «حرة»، لا يُشاركها أحد عالمها الصغير.

الزواج الثاني
 

وبسبب حبها للكتابة واهتمامها بالأدب نشبت خلافات بينها وبين زوجها الثاني وكان أحد رجال القانون، وقالت نوال السعداوي في أحد حواراتها الصحفية أنه صاح في وجهها قائلًا: أنا أو كتاباتك؟! فردت بثبات: كتاباتي، وانفصلا".

أما زيجتها الثالثة انتهت بعد 43 عام زواج، حيث تزوجت من الروائي والسياسي شريف حتاته، وكانت فخورة بذلك الزواج وقالت كثيرا أنه الرجل الوحيد على كوكب الأرض الذي يؤمن بحرية المرأة ويدعم قضيتها، إلا أنها اكتشفت بعد مرور ذلك العمر بينهم انه خانها مع أخرى فانفصلت عنه، واستكملت مشوارها بين كتبها وتلاميذها.

الجريدة الرسمية