رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

«دعم المحروقات» يزيد أوجاع «سويسرا الشرق» ومطالب باستقالة الرئيس.. أزمات لبنان «صناعة داخلية»

الرئيس اللبناني ميشال
الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري
Advertisements

«الخلافات قائمة والأزمات متجددة».. عنوان عريض يمكن استخدامه للحديث عن الوضع القائم في لبنان منذ عدة أشهر، فالخلافات التي أصبحت السمة الأساسية لـ«سويسرا الشرق»، سرعان ما أنتجت -وفقًا لجميع التوقعات- أزمات متعاقبة، فلا تكاد «بيروت» تخرج من أزمة «الحكومة الغائبة»، إلا وتجد نفسها تواجه كارثة «انفجار المرفأ»، وآخر تطورات الأزمة هناك كانت مع رفض رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان حسان دياب، دعوة رئيس الجمهورية ميشال عون لعقد اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء لبحث أزمة المحروقات، باعتبار أن الحكومة مستقيلة والتزامًا بنص المادة 64 من الدستور التي تحصر صلاحيات الحكومة المستقيلة بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال، واعتبار المشاركة في ذلك الاجتماع خرقًا للدستور، قبل أن تتطور الأحداث مجددًا بانفجار صهريح للوقود خلف عشرات القتلي والمصابين ما دعى سعد الحريرى إلى مطالبة الرئيس سليمان عون بالاستقالة الفورية.

دعم المحروقات

وفي وقت سابق، قال الرئيس اللبناني إن «حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لا يزال مصرًا على موقفه برفع الدعم رغم القوانين والقرارات التي تمكنه من العودة عن قراره»، وذلك بعد أن أعلن المصرف المركزي توقفه كليًا عن دعم استيراد المحروقات، والشروع بتأمين الاعتمادات اللازمة لاستيراده وفق سعر الدولار بالسوق، بدلا من السعر المحدد رسميا، وذلك في ضوء انخفاض حاد في الاحتياطي النقدي الأجنبي، خاصة وأن الدولار في السوق الموازية بنحو 20 ألف ليرة، مقابل 1510 ليرات بالسعر الرسمي، إلا أنه بعد الإعلان عن رفع الدعم انفجر الشارع اللبناني غضبًا، وعمد محتجون إلى إقفال طرق رئيسية عدة من الشمال إلى الجنوب، كما عبَّرت حكومة تصريف الأعمال عن رفضها قرار المصرف المركزي وقالت إنه مخالف للقانون الصادر عن البرلمان، ومخالف لسياسة الحكومة.


«أزمة المحروقات» جاءت متزامنة مع التصريحات التي أطلقتها الحكومة اللبنانية بأنها خلصت إلى ضرورة استمرار دعم استيراد المحروقات والبدء بترشيده فور وضع البطاقة التمويلية للأسر الأشد فقرًا موضع التنفيذ، وذلك بعد أن كان البرلمان قد وافق في يونيو الماضي على توزيع بطاقات تمويلية مدفوعة مسبقًا على الفقراء قبل اتخاذ أي خطوة أخرى لرفع الدعم عن أي سلع أساسية أو تقليصه، لكن بعد الإجراءات الأخيرة أصبح هناك تهديدًا بانفجار اجتماعي وفوضى عارمة، في ظل انهيار شامل على كافة الأصعدة، من دون تأمين بدائل معيشية للمواطنين، حسبما يرى محللون، ويزيد من الأزمة أن لبنان عاجزًا منذ نحو عام عن تشكيل حكومة تضع حدًا للانهيار الاقتصادي، وتخلف حكومة تصريف الأعمال الراهنة التي استقالت بعد 6 أيام من كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، التي أدت لمقتل أكثر من 200 شخص وإصابة نحو 7 آلاف آخرين.

صناعة داخلية

وفي هذا السياق قال الدكتور إسماعيل تركي، الباحث في العلوم السياسية: ما يحدث في لبنان صراع على الصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة الذي رفض دعوة الرئيس لمناقشة قرار رفع الدعم عن المحروقات الذي فجر موجة غضب واسعة، بعدما أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تطبيق رفع الدعم عن المحروقات اعتبارا من الخميس 12 أغسطس وسط أزمة اقتصادية خانقة تثقل كأهل اللبنانيين وشح بمواد البنزين والمازوت وغيرها من المواد الحيوية، ما أثار صدمة وموجة ردود فعل واسعة شاجبة ومحذرة من التداعيات السلبية على الواقع الاجتماعي في البلاد الذي يعاني نقصًا حادًا في المواد الأساسية من وقود ودواء وغيرها جراء الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد والتي أفقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها مقابل الدولار في أقل من عامين.


وأضاف «تركي»: رفع الدعم عن الوقود سيتبعه ارتفاع بأسعار سلع وخدمات أخرى تعتمد عليه في الإنتاج، من بينها المصانع والأفران والمولدات الكهربائية الخاصة التي تستخدمه لسد النقص بالتيار الكهربائي، ويزيد هذا القرار من معاناة اللبنانيين الذين يرزحون منذ نحو عامين تحت وطأة أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ بلادهم الحديث، ما تسبب بارتفاع معدلات الفقر، وانهيار القدرة الشرائية لمعظم سكان البلاد، وخلال الأيام المقبلة سيزداد الأمر سوءًا، فالأموال في مصرف لبنان وصلت إلى حدود الاحتياط الإلزامي، وهو ما يعني أن سياسة الدعم ستتوقف كليًا وبحكم الأمر الواقع فإن أزمة خانقة على مستوى البنزين والمازوت وحتى الدواء ستعم لبنان.


وتابع: الكل يتحدث عن المحاصصة الطائفية في لبنان والتدخلات الخارجية وأنهما أصل المشكلة، وإن كنت أرى أن الطائفية ليست جديدة على لبنان حتى ننسب اليها السبب في كل ما يحدث حاليا هناك،لا سيما وأنها تخترق كل مظاهر الحياة في لبنان، وبرغم ذلك كانت هناك باستمرار حكومات لبنانية تؤدي دورها، ولم تكن هناك أزمات حكم خانقة ومستعصية على الحل كتلك التي يعيشها لبنان الآن، أما فيما بالحديث عن دور التدخلات الخارجية في تعقيد الأوضاع السياسية الراهنة وفي الوصول بها إلى نهاية طريق مسدود، فهذا أيضًا لا يمكن أن يكون السبب أو التفسير الواقعي لهذه الأزمة السياسية الطاحنة التي يعاني منها لبنان، والسبب من وجهة نظري أن لهذه التدخلات الخارجية، عربية وإسرائيلية وأمريكية وإيرانية، في لبنان تاريخ طويل وحافل نعرفه جيدًا، بل إن لبنان تم احتلاله بالفعل، ومع ذلك كانت هناك حكومات لبنانية تتشكل بسرعة وتجيء وترحل وتتغير دون أن تكون هناك أزمات أوصلت لبنان لمثل هذه الحالة من السوء وعدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها.

مؤسسة الرئاسة

«تركي» أردف: مؤسسة الرئاسة اللبنانية الحالية أصل الأزمة، وتحديدًا في الرئيس اللبناني نفسه ميشيل عون نفسه، فهو رئيس للدولة اللبنانية لم يأت به اللبنانيون إلى موقعه بمحض اختيارهم، وإنما أتى به مَن استخدموه كواجهة لهم بعد أزمة فراغ رئاسي لم يشهدها لبنان في تاريخه واستمرت لأكثر من عامين كاملين، وجعلوا منه مجرد رئيس صوري لا يحكم بينما بقيت كل خيوط ومفاتيح السلطة الحقيقية بيد من فرضوه فرضًا على اللبنانيين الذين قبلوا الأمر الواقع مرغمين حتى يتسنى ملء الفراغ الرئاسي الشاغر وقتها، وحتى يكون للبنان رئيس كغيره من الدول، وقد برهنت الظروف الصعبة التي مر ويمر بها لبنان أنه يعيش مع رئيس يلتزم الصمت ويؤثر الابتعاد والبقاء في دائرة الظل، ولا يعرف كيف يدير أزمة، أو يحل إشكالًا سياسيًا واحدًا.

أو يقوم بدوره الذي يفرضه عليه وضعه كرئيس لكل اللبنانيين، وإنما ترك هذا كله لمن بيدهم الأمر يتحكمون ويشترطون ويقررون، بينما تفرغ هو لتجهيز المسرح لتوريث منصبه لصهره المستفز الذي ينضح بالتحيز الطائفي ويتزعم ما يسمى بالتيار الوطني الحر الذي يجمع حوله اتباعه ممَّن هم على شاكلته من الانتهازيين والنفعبين من السياسيين اللبنانيين، فالرئيس عون حالة استثنائية لا يقاس عليها ولا يجب أن تتكرر إذا ما كان للبنان أن يستمر دولة موحدة.


كما شدد بأنه إضافة لمشكلة رئاسة الدولة تأتي مشكلة الفساد الذي تقاسمه وتحاصصه أطراف الطبقة السياسية، وإلّا كيف يمكن تفسير الشروع في توظيفات انتخابية قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة، وبعد إقرار سلسلة رتب ورواتب عشوائية وغير مدروسة، وتمّ توظيفها واستثمارها انتخابيًا؟ والأهم، كيف يمكن تفسير تلك الأزمات السياسية المتلاحقة، والفراغ الذي طاول السلطة مرات عدة، والخلافات التي كانت تؤخّر الحكومات بسبب الحصص والحقائب الدسمة، ما كان يكلف لبنان استنزافًا ماليًا كبيرًا لتثبيت سعر صرف العملة الوطنية؟ هي الطبقة السياسية نفسها تتعاطى بخفة ولأسباب المحاصصة، في وقت غرقت فيه لبنان في مشاكلها الاقتصادية ولم تعد قادره على توفير الاحتياجات،

مصرف لبنان

«تركي» أشار إلى أن خطوة مصرف لبنان بوقف كل أشكال الدعم تم التحضير لها في الكواليس خلال الأسابيع الماضية. ووفق الحسابات الانتخابية، لم تعترض أطراف الطبقة السياسية على اعتماد هذا السيناريو لوقف سياسة الدعم، وهنا تأتي أهمية التدخلات الخارجية ودورها، فمن المنطقي الاعتقاد أن العواصم الغربية والإقليمية المهتمة بالوضع في لبنان، وعلى رأسها فرنسا رسمت سيناريوهات عدة للتداعيات السيئة التي قد تحدث في لبنان وقدمت بعض المبادرات التي أعتقد أنها لا تستطيع أن تعالج الأمور مع وجود ميشيل عون الذي يتحرك بأوامر خارجية وداخلية لا تعنيها مصلحة اللبنانيين.


وأكمل: هناك عدة سيناريوهات للأزمة الطاحنة التي يعيشها لبنان أولها يشير إلى انفلات حالة الفوضى إلى مداها الأقصى، فليس سهلًا أبدًا أن يكون هناك بلد على وجه الأرض ليس فيه كهرباء. فهذا يعني أن لا مستشفيات ولا أفران ولا مقومات للحياة، والثاني أن تتحول هذه الفوضى من الشارع إلى المراكز والمواقع الرسمية، ففي حالات مشابهة ينتفض الناس في اتجاه مقرات السلطة، فكيف إذا كانت السلطة مسئولة فعليًا وليس فقط معنويًا عن الانهيار الكبير الحاصل، مع الإشارة إلى أن القوى الأمنية ستكون غير مهتمة أو مبالية في القيام بواجباتها، هذا إذا لم نفترض العكس.


وتابع: يبقى الاعتقاد الثالث الذي سيدفع هنا إلى فتح الملف اللبناني على مصراعيه في الأمم المتحدة والعواصم الكبرى، وانطلاقًا من اعتبار الدولة اللبنانية دولة فاشلة، وقد تكون هي اللحظة التي ستبدأ فيها المعالجات السياسية، وقد تسمح أيضا بولادة حكومة طال انتظارها بسبب شهوات المحاصصة والمصالح الانتخابية الشخصية، وفي الحقيقة أن الوضع في لبنان شديد السواد، لبنان بالتأكيد ليس في خير، خصوصًا أن ثمة مشاريع كبرى في المنطقة، ولبنان أحد ساحاتها لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

 

نقلًا عن العدد الورقي…

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية