رئيس التحرير
عصام كامل

ننشر الحلقة "11" من راوية "زمكان" للكاتب "ثروت الخرباوي"

ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي
18 حجم الخط

استعرضنا في الحلقة العاشرة من "زمكان" تفاصيل حرص البطل وهو فى صغره على اصطحاب أحد أصدقائه الأقباط إلى المسجد للصلاة معه؛ وهو لا يعلم الفرق بين الأديان؛ وهو ما تسبب في عقاب صديقه؛ وحرصه على أن يقدم الاعتذار بسبب عدم فهمه؛ وكيف أنه سعى لادخال السرور على قلب صديقه.

"بعد أيام جاء لي خبر مفزع لم أستوعبه، قال لي أبي ونحن على مائدة الغذاء 
ـ صديقك أحمد شرشر سيترك انشاص إلى الأبد.
ـ ليه ؟!.
ـ والده تم نقله لمنطقة الإصلاح الزراعي في الدلنجات، وسيسافرون غدا.
ـ فين الدلنجات ؟!.
ـ بعيدة، موجودة في مكان بعيد عن هنا.
تركت مائدة الغذاء دون أن أستكمل طعامي، إلا أنني قلت: شبعت والحمد لله.
وعلى الفور عدوت إلى بيت أحمد، وجدته فرحا وكأننا في يوم من أيام العيد، قلت له: هو صحيح انكم ها تعيشوا في بلد تاني.
ـ أيوه، الدلنجات، دي بلدنا أصلا وكل قرايبي هناك، دي بلد جميلة.
ـ لا يوجد أجمل من انشاص.
ـ بيتهيألك.
ـ يعني أنت فرحان ؟!.
ـ طبعا.
ـ طيب أكتب لي عنوانك وسأرسل لك جوابات.
فكتب لي في ورقة ( أكتب على الظرف: الدلنجات، محافظة البحيرة، يصل ويسلم ليد الأستاذ فتحي شرشر ومنه ليد ابنه أحمد، شكرا لساعي البريد ).
كان أحمد شرشر من الأصدقاء المقربين مني، وكنا نتنافس في "الخط العربي" والحق أنه كان أبرع مني في هذا المضمار، كان يتفنن في تحسين خطه، وكان بارعا في بري القلم الرصاص بطريقة تجعل الكتابة مميزة، ولم يكن أحد يباريه في هذا المجال، أما شخصيته فكانت ودودة مسالمة هادئة، لم يحدث أن أثار مشاكل مع أحد، ولذلك كانت له مكانته عندي، وإذ سينتقل والده لبلد آخر آن لنا أن نفترق، ولم يكن الفراق بالنسبة لي سهلا أو عاديا.
وفي اليوم التالي تحاشيت مقابلة أحمد، إلا أنني كنت أرقب بيته عن بعد، فضلا عن أن صديقنا عدلي عبد الغفار كان يأتي لي بالأخبار، وحين تحركت سيارة العفش، وتحركت خلفها سيارة كبيرة تحمل أسرة "عمي فتحي شرشر" أخذت أنظر إليها بأسى، وقبل أن تغيب السيارتان عن نظري عدوت بأقصى سرعة خلفهما وأنا أبكي، وعدلي يجري خلفي وهو يصيح: رايح فين يا مجنون.
أبطأت من سرعتي فاستطرد عدلي: كفاية كدة، احنا بعدنا.
كنا قد اقتربنا من كوبري أنشاص فجلست على الأرض صامتا لا أحير جوابا.
جلست باقي النهار في حديقة بيتنا ساهما واجما أخط بالعصا خطوطا متشابكة على الأرض وأحدث نفسي، ما هذا الذي حدث اليوم ؟.
• هذا فراقٌ للأحبة.
• مثل الموت ؟.
• نعم مثل الموت.
• لن أراه مرة ثانية.
• والموت كذلك، إذا مات الشخص فإننا لن نراه مرة ثانية.
• ولكن المسافر موجود.
• وكذلك الميت موجود 
• المسافر أستطيع أن أرسل له خطاب.
• ونحن نزور نينا الحاجة وهي ميتة، وأسمع أمي وهي تكلمها وتحكي لها أحداث حياتنا.
• ولكننا لا نراها.
• والمسافر لا نراه.
• ولكن الميت يرانا والمسافر لا يرانا.
• إذن الميت أفضل من المسافر.
• ولكن يظل في نفوسنا أمل بمقابلة المسافر، فقد يعود وقد نذهب إليه.
• والميت نراه في الحلم كما رأيت الأستاذ حمدي شملول، وسنذهب بالتأكيد للميت عندما نموت مثله، وهناك في هذا المكان المجهول الذي لا أعرفه سنلتقي.
• إذن السفر والموت قريبان، كأنهما توأمان 
استرحت للنتيجة التي وصلت إليها، إلا أنني كنت حزينا لأن أحمد لم يشعر بالحزن الذي كان في داخلي، كان في دنيا أخرى، يتشوق لبلده، كان صريحا عندما قال إن بلده أجمل من انشاص، هل كل واحد في الدنيا يعتبر بلده هي أجمل البلاد ؟.
كنت أشعر بموجدة تجاه أحمد شرشر لأنه كان سعيدا بانتقالهم للدلنجات في الوقت الذي كنت فيه حزينا لهذا الفراق، أحمد كان في دنيا أخرى غير الدنيا التي كنت فيها، وبعد أسبوع كتبت خطابا لأحمد، رأيت أن أضع له فيه بعض حبات من الفرامبواز والتوت حيث كان مغرما بهم، إلا أنني نحيت هذه الفكرة من خاطري واكتفيت بأن كتبت له: " أخي الحبيب أحمد إني مشتاق إليك كما يشتاق الجندي إلى الميدان، والبستاني إلى البستان، والمؤمن إلى شهر رمضان، وابلغك أني بخير أنا والأسرة كلها، وكل من عندنا في أنشاص يسلمون عليك، عدلي ومحمد وسوسن وممدوح، وكل أولاد عم علاَّم يسلمون عليك خاصة صلاح، وأرجو أن تكون أنت والأسرة الكريمة بخير، وسلامي لهم كلهم " ثم عن لي خاطر فاستطردت كاتبا: " ملحوظة: كنت أريد أن ارسل لك حبات فرامبواز في ظرف الجواب ولكنني نسيت وأغلقت الظرف قبل أن أضع فيه الفرمبواز، فعذرا والمرة الجاية سأرسل لك فرامبواز كتير... ملحوظة ثانية: رد على هذا الجواب في أسرع وقت: أخوك المشتاق عبد الله.".

الجريدة الرسمية