رئيس التحرير
عصام كامل

د. أحمد عبد الرحمن يكتب: الهروب إلى الجحيم

د. أحمد عبد الرحمن
د. أحمد عبد الرحمن

عادة ما يطلق السجناء على سجنهم وصف الجحيم، وقد يكون كذلك بالفعل، فنراهم يكتبون كتابات تحت عناوين مثل "الخروج من بوابة الجحيم.. البوابة السوداء.. زنازين إبليس.. فى أتون الأسر"، أو غير ذلك من التسميات التى توحي جميعها بمآلات عصيبة داخل السجون، وتحت هذا الضغط والتوصيف الرهيب، يفكر المسجون كثيرًا فى طريقة للتخلص من سجنه وإطفاء لهيب الحبس الذى يتقلب فيه ليل نهار، وحيال هذه الفكرة يتنوع سلوك المساجين، فمنهم من يرى الانضباط واتباع القواعد واللوائح طريقًا لإنهاء معاناته فيفرج عنه بعد مضى نصف المدة أو ثلثيها حسب القوانين المنظمة، وفقًا لقواعد حسن السير والسلوك، وهذا الصنف من المساجين غالبا ما ينخرط مع المجتمع الجديد الذى يعيشه ويتفاعل مع قواعده، فنرى بعضهم يمارس حرفة داخل سجنه، يتقنها وتدر عليه عائدا ولو بسيطا يخفف بها عن نفسه وعن أسرته.


ونرى آخرين يسلكون سبيل التعلم فيكملون مراحلهم التعليمية أو يحسنون مستواهم التعليمى فيدخل الكليات ويحصلون على الشهادات رغم قسوة الظروف المحيطة بهم.

ونجد صنفا ثالثا لا هو تعلم حرفة ولاهو أكمل تعليما لكنه انخرط فى مساعدة المساجين الذين معه ومعاونة إدارة السجن فى انفاذ الأعمال فنراه يتعاون فى عمليات التسكين ، وتوزيع التعيين والنظافة وغيرها من وجوه العمل اليومى التى يحتاجها المجتمع المغلق كمجتمعات السجون.

فى الحقيقة هذة الفئات الثلاث تراهم أحسن حالا وأهدأ نفسا وأكثر قبولا وتفهما، اكثر استعدادا لمراجعة الاخطاء وتقويمها ، من غيرهم من السجناء.
ويخرج هؤلاء غالبا وقد استفادوا من محنتهم على المستوى النفسى وقوة الارادة وعلى مستوى المعيشة والحياة، وعلى مستوى الثقافة والتعليم، ويكونون اكثر قدرة على الانخراط فى المجتمع كأشخاص طبيعيين بعد خروجهم من السجن، وينسون آلام المحنة ويقفون فقط على دروسها وآمالها تكون حافزا لهم على النجاح فى الحياة.

وفى مقابل هذه الفئات التى أشرنا اليها نجد شرائح أخرى من المساجين اتسموا بالحدة والشدة والتهور فى ردود الأفعال، واستجماع الهموم والتصادم مع المجتمع المحيط بهم، فتكثر مشاكلهم وينبذون على مستوى الافراد وعلى مستوى ادارة السجن، ونراهم تارة يسكنون عنابر التأديب وزنازين التكدير ، وتارة يتم ترحيلهم الى سجون بعيدة شديدة لمعاقبتهم، وتارة يرتكبون جرائم داخل السجن وتصدر ضدهم أحكام جديدة تزيد من محنتهم ومعاناتهم.

فإذا استيأس المسجون من الحياة وأظلمت عليه الدنيا بدأ يعانى بصورة شديدة من الأمراض النفسية والعقلية بل والجسدية فيصاب البعض بالصرع والبعض بالوساوس والبعض بالاكتئاب، والبعض بالضغط والسكر إضافة الى امراض السجون المستوطنة غالبا، وفى الحقيقة هؤلاء يقتلون أنفسهم ادركوا ذلك أو لم يدركوا، فعصبيتهم وأحزانهم وأمراضهم لن تغير من واقعهم شيئا ، انما فقط تزيد من محنتهم ومحنة أسرهم ومعاناة ذويهم، وكثير من هؤلاء يموتون داخل السجن أو يخرجون عالة على أسرهم وعائلاتهم وقد تدهوت صحتهم النفسية والبدنية، فتطول محنة الاسرة بهم داخل السجن وخارجه حتى يقضي الله أمره فيهم.

لكن هناك صنف اخطر يجب ألا نهمله هو الصنف المتمرد الناقم لكنه طموح لمواصلة مشوار انحرافه، ولم يزده السجن إلا عنادا واصرارا، ولم يزدد الا تشبثا بأفكاره ومعتقداته، ولايرى فى مجتمع السجون إلا الشر والفساد، ولايقبل التأقلم مع الواقع المفروض عليه بسبب خطئه أو بسبب الظروف، وهذا الصنف المتمرد دائم التفكير والتخطيط للخروج من السجن - الرغبة فى الخروج فى حد ذاتها ليست عيبا - لكن المشكلة فى الطريقة التى يسلكها للخروج من السجن، فبعضهم ينتحر ليتخلص من السجن ومن الحياة وهذا قصر على نفسه وعلى غيره الطريق.

وبعضهم يجهز لعملية هروب قد تستغرق سنين أو شهورا، وتكلفه أموالا طائلة، وتعرضه وغيره من السجناء وادارة السجن بل والأسر والمجتمع بالخارج الى مخاطر لاتعرف نهايتها ، انهم يفكرون فى الهروب.

يظن هؤلاء الأشخاص أنهم قادرون على الهروب وبالفعل قد ينجحون فى الهرب، لكن ماذا بعد الهروب ؟؟ إنهم لايفكرون جيدا.
بعد الهروب تغلق السجون كلها على بقية المساجين وتشتد معاناتهم.
بعد الهروب تحدث المطاردات والمداهمات هنا وهناك.
بعد الهروب تشدد الاجراءات على الحدود والموانئ.
بعد الهروب يتم التشديد على الاسر والاقارب والمعارف.
بعد الهروب تحدق المواجهات التى تسفر عن هزة فى المجتمع كله.
بعد الهروب يحدث القتال والقتل للهارب او لأحد القوات التى تحاصره.
بعد الهروب يتم القبض عليه من جديد، وتبدأ سلسلة من التحقيقات من الذى ساعد ومن الذى آوى ومن الذى موَّل، ولماذا هربت ؟ والى أين كنت تريد ؟ وتعيد المنظومة الأمنية فحص صفوفها من جديد.
وهكذا نجد السجين الهارب لم يسترح من سجنه بهروبه، انما دخل فى دوامات جديدة بل سجون جديدة وأدخل معه فيها غيره، ليضاف الى المأساة عناصر جديدة، وتسن قوانين ولوائح أكثر صرامة.

فى الحقيقة مع تقديرى لآلام السجن وشدة معاناة المسجون الا أن السجين الهارب من سجنه هو فى حقيقته " هارب الى الجحيم " وليس هاربا من الجحيم كما يتوهم البعض ...وهو فى الحقيقة لم ينه مشكلة وانما بدأ سلسلة أخرى من المشاكل .
حفظ الله مصر - جيشا - وشرطة - وشعبا - وأزهر - وهدى الله الارهابيين الى اقوم طريق ، وجنب بلادنا الفتن ماظهر منها ومابطن.

الجريدة الرسمية