أم كلثوم تكتب: شكل للبيع
في يوم 31 يناير عام 1951 كتبت السيدة أم كلثوم في مجلة آخر ساعة مقالا قالت فيه:
ألم تلاحظوا أن كل إنسان أصبح عصبيا هذه الأيام، الوزراء عصبيون والصحفيون أشد عصبية من الوزراء، والزعماء متنرفزون والشعب أكثر نرفزة من الزعماء، والنساء ساخطات والرجال غاضبون.. وكل إنسان في مصر يقول "شكل للبيع".
ليس السبب في كل هذا كما تقول الصحف، ولا السبب الحركات الشيوعية أو المفاوضات أو الخلافات الحزبية، لكنى اكتشفت أن سبب النرفزة والعصبية هو التليفون.
تصور مثلا وزير التجارة يستيقظ في الصباح يطلب مكتبه للاطمئنان على الأسعار فترد عليه مصلحة المجارى، وإذا أعاد المكالمة يسمع أزيزا وأصواتا متقطعة.
ويصرخ الوزير ليسمعه وكيل الوزارة وينرفز الوزير والوكيل ويدخل السكرتير على الخط ليصلح السكة ويتوسل لسنترال الوزارة ألا يقطع محادثة معالى الوزير.
ويذهب الوزير إلى مكتبه وأعصابه فوق جلده والعصبية تركب السيارة معه بجوار السائق بدلا من الساعى.
ويدخل الوزير مكتبه بهذه الحالة فيتخانق مع التجار ويتشاجر مع المستهلكين ويختلف مع الموظفين ويزداد الغلاء.
ووزير الخارجية كذلك يبدأ صباحه مبكرا فيتكلم في التليفون طالبا سفير إيطاليا وبعد أن يقول هاو ديو دو وأهلا بحلفائنا الأعزاء يكتشف أن هناك لخبطة في الخط وأن الذي يرد عليه سفير روسيا، ولما كنا ضد الشيوعية يسرع الوزير ويقفل السكة.
ويعيد الوزير المحاولة فإذا من يرد عليه محل حانوتى باب الخلق ويسأله الوزير عن ميعاد اللقاء يقول له بعد صلاة الظهر من ميدان الإسماعيلية.
ويتنرفز الوزير ويتخانق مع سفير بريطانيا وإيطاليا وروسيا وكذلك سفير اليمن، وتخرج الصحف تقول إن علاقتنا مع الدول سيئة.. وهى لا تعرف أن المسئول هو التليفون.
وأنا شخصيا ضحية التليفون، وما أنا إلا فرد من هذا الشعب العصبى، أستيقظ في الصباح نشيطة متمتعة بكامل صحتى وأمسك بسماعة التليفون فإذا بأعصابى تتحول إلى شبكة تليفونية ملخبطة كلما أدرت القرص لطلب رقم تنقطع الحرارة.
وبعد خمسة وعشرين محاولة تقريبا أنجح في إدارة الرقم الذي أريده، وأقول هالو ويرد صوت هالو مين؟ أقول أنت عاوز مين؟ يقول أنت اللى طالب فأقول أنت اللى طلبتنى، وأتنرفز ويتنرفز ويتنرفز الشعب المصرى الحليم.
وأعالج نفسى بالأدوية المهدئة وأعود وأطلب صديقتى فيرد على سبعة أشخاص في وقت واحد ويقول أحدهم اقفلى السكة علشان نعرف نتكلم.
