أحمد بهاء الدين يكتب: لا تراجع ولا استسلام
في صباح الخير، يناير عام 1957، كتب الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين مقالا بعد انسحاب العدوان الثلاثي من مصر.
قال فيه: "الذي تعرض للهجوم ليس أرض مصر ومنشأتها، ولكنه اتجاهها السياسي.. هذه هي الحقيقة الأساسية التي يجب أن نبدأ بها عند كل تقدير للموقف".
وتابع: "عندما قال أنطوني إيدن لمجلس العموم البريطاني إن الاستيلاء على بورسعيد جعل المسرح في الشرق الأوسط معدا ـــ من وجهة نظره ــ لتسوية كل مشكلات المنطقة، كان في الواقع يكشف عن السبب الحقيقي للعدوان بعد أن تعب من انتحال الأعذار الزائفة.. من فض النزاع بين مصر وإسرائيل إلى القضاء على المؤامرة الشيوعية المزعومة.. إلى غير ذلك من الأعذار المفضوحة.
هو يريد أن يستغل العدوان للقضاء على اتجاه السياسة المصرية التي تسبب له كل أمراض الاستعمار الإنجليزي في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وإذا كان الاستعمار يقصد أن تغير مصر سياستها فهذا المنطق مرفوض لسببين:
الأول: هو أن السياسة الاستقلالية المصرية ليست شيئا عارضا يمكن العدول عنه ببساطة، إنها سياسة نابعة من المصالح الحقيقية للشعب المصري التي تفرض نفسها فرضا ماديا على كل تفكير أو اتجاه سياسي.
نحن نوثق علاقتنا التجارية مع جميع المستعمرات؛ لأن هذا هو الضمان لتأمين بيع محصولاتنا، ونتمسك بالحياد الايجابي مساهمة في تحقيق السلام العالمي.
ونحن عازمون على بناء وتصنيع بلادنا من أي مصدر للقضاء على الفقر وهو مطلب ملح وحاسم، أيضا نطلب استقلال الشعوب حتى نحرس استقلالنا ولا نتركه عاري الصدر أو مكشوف الجناحين.
السياسة الاستقلالية لمصر ليست قشرة ولا طلاء يمكن محوه أو تلويثه بسهولة، إنما هو شيء نابع من صميم مصالحنا.
الثاني: إن السياسة الاستقلالية بعينها كانت الدرع الحقيقى الذي حمانا في محنتنا.
لقد تعرضت شعوب كثيرة في السنوات الأخيرة للعدوان الاستعماري المسلح، مثل: كينيا والجزائر ومراكش وتونس.. لكن الضمير الإنساني لم يهتز كما اهتز لمصر.
والرأي العام لم يكن إيجابيا في نصرة الحق كما كان في قضيتنا، والمعسكر الشرقي لم يكن حاسما في ردع الإنجليز وفي إقناع المعسكر الغربي بضرورة ملافاة ما حدث من عدوان.
كل هذا التأييد الحاسم لأن مصر في الضمير العالمي لا تعني اليوم "مصر" بحدودها الجغرافية فقط.. ولكن لأنها مصر التي تتبنى الحياد وتدعو إلى السلام وتعمل على تحرير الشعوب الصديقة.. لأنها مصر ذات المعاني الكبيرة التي يتوق إليها البشر في كل مكان.
إن احتفاظنا بهذه السياسة هو احتفاظ بهذا الدرع القوى المتين.
