رئيس التحرير
عصام كامل

عن الكتابة والدين والسياسة.. نجيب محفوظ وحوار «دي باريس رفيو»: في زمن ناصر كان المرء يخاف من الحوائط.. أغلب الناس في مصر مشغولون بلقمة العيش.. «أولاد حارتنا» أساء فهمها من لا يعرفو

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

- في زمن ناصر كان الكل خائفا وكنا نجلس في المقاهي والخوف يمنعنا من الكلام

- ما من شخص يعول أسرة لديه ولو لحظة ليتناقش في الديمقراطية
- لا تزال قصة «أولاد حارتنا» صادمة
- أعتبر الدين سلوكًا إنسانينًا جوهريًا.. لكن معاملة الناس بطريقة جيدة أهم من قضاء المرء كل وقته في صلاة وصيام
- ينبغي تفسير الدين بطريقة منفتحة.. ينبغي أن يتكلم في الحب والإنسانية.. الدين مرتبط بالتقدم والحضارة، لا بالعواطف
- كنت خائفًا من الزواج وكان لديَّ انطباع بأن الحياة الزوجية سوف تستهلك وقتي
- أنا شخص يحب الأدب.. يؤمن بعمله ويُخلص له.. يحبُّ عملَه أكثر مما يحب المال أو الشهرة ولو جاء المال والشهرة فأهلًا وسهلًا

الاكتفاء بالجانب الأدبي لحياة الكاتب والروائي الراحل نجيب محفوظ، صاحب نوبل، سيكون أشبه بنزهة قصيرة في حديقة مترامية الأطراف، بالطبع سيعجبك المنظر، الشكل، البناء، غير أنك ستفوت وقتها مشاهد لا تقل روعتها عن التي اكتفيت بمشاهدتها، فحياة «نجيب الأدب»، ممتلئة بالعديد من الحكايات والروايات التي يمكن القول إن الوقت لم يسعفه لكشف تفاصيلها، غير أن حوارًا في إحدى الإصدارات الثقافية الغربية (الفرنسية تحديدًا)، تم في صيف العام 1991، كشف لنا جزءًا من هذه الروايات، عن حياته، وموقفه السياسي، وأسباب زواجه المتأخر، ورأيه في الذين حكموا مصر وما إلى ذلك.. فإلى نص الحوار:

• متى بدأت الكتابة؟
سنة 1929، رُفضت جميع قصصي، كان سلامة موسى، رئيس تحرير المجلة الجديدة، يقول لي : أنت موهوب، ولكنك لم تصل بعد. وأذكر جيدًا سبتمبر من عام 1939، فقد كانت بداية الحرب العالمية الثانية بهجوم هتلر على هولندا، نشرت قصتي «عبث الأقدار» فكانت تلك هدية ومفاجأة من ناشري المجلة الجديدة. كان ذلك حدثًا ذا أهمية هائلة في حياتي.

• وبعدها أصبحت الكتابة والنشر أمورًا سهلة؟
لا.. وإن جاءني بعد هذا النشر الأول صديق لي كاتب، وأخبرني أن شقيقه يمتلك مطبعة. قام بتشكيل لجنة مكونة من بعض الزملاء الذين كانوا قد حققوا أقدارًا ضئيلة من النجاح، بدأنا النشر سنة 1943 بقدر من الانتظام، وكنا ننشر قصة لي كل سنة.

• لكنك لم تعتمد قط على الكتابة كمصدر للدخل؟
لا.. كنت دائما موظفًا حكوميًا، بل إنني، على العكس، كنت أنفق على الأدب، على الكتب والورق.. لم أحقق مالًا من الكتابة إلا بعد وقت كبير. نشرت نحو ثمانين قصة بلا مقابل، حتى رواياتي الأولى نشرتها بلا أي مقابل، بل دعمًا للجنة.

• متى بدأت تجني مالًا من كتابتك؟
حينما ترجمت قصصي إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، «زعبلاوي» بالذات نجحت نجاحًا هائلًا وجنيت بسببها مالًا أكثر من أي قصة أخرى.

أول رواية ترجمت لى هي «زقاق المدق». نشرت الترجمة أول مرة من خلال ناشر لبناني اسمه خياط. ولم أحصل أنا أو المترجم على أي أجر لأن خياط خدعنا، ثم أعادت هيننمان نشرها عام 1970. وبعدها ترجمت إلى الفرنسية، وسرعان ما بدأت ترجمات أخرى لأعمالي.

• هل يمكن أن تكلمنا عن «شلة الحرافيش» الشهيرة؟ مَن أعضاؤها وكيف تكونت؟
تعرفنا لأول مرة سنة 1943، مصطفى محمود، وأحمد بهاء الدين، وصلاح جاهين، ومحمد عفيفي.. كنا نتناقش في الفن والأحداث السياسية الجارية. «الحرافيش» تعني «النهابين» الذين يجدهم المرء على أطراف المظاهرات مستعدين للنهب عندما تسنح الفرصة، هؤلاء هم الحرافيش - الممثل السينمائي- أحمد مظهر هو الذي أطلق علينا هذا الاسم. في البداية كنا نتقابل في بيت محمد عفيفي. أحيانا كنا نذهب إلى مكان اسمه «صحارى سيتي» قرب الأهرام. والآن نذهب إلى بيت المخرج السينمائي توفيق صالح لأن لديه شرفة في الطابق العاشر مطلة على النيل، الباقون منا أربعة أو خمسة.

• هل أنت على صلة بالكتاب المصريين الأصغر سنًا؟
أذهب كل جمعة إلى جلسة في كازينو قصر النيل يدعى إليها الكتاب الجدد. يأتي الكثيرون: شعراء وكتاب وشخصيات أدبية، منذ تقاعدت عن العمل للحكومة سنة 1971 أصبح لديّ وقت أكبر للأصدقاء.

• ما الدور الذي لعبه في حياتك الوضع السياسي فيما قبل 1952؟
كنت في نحو السابعة عندما قامت ثورة 1919. تأثرتُ بها، وازددتُ تأثرًا بها وتحمسًا لقضيتها. كل الذين كنت أعرفهم كانوا يناصرون حزب الوفد والتحرر من الاستعمار. ثم أصبحت في وقت لاحق أكثر انخراطًا في الحياة السياسية وتابعًا صريحًا لسعد باشا زغلول، ولا أزال أعد ذلك الانخراط من أهم الأشياء التي فعلتها في حياتي. ولكنني لم أعمل مطلقًا في السياسة، ولم أنضم بصفة رسمية لأية لجنة أو حزب سياسي. وبرغم أنني كنت وفديًا، لم أشأ قط أن أكون عضوًا حزبيًا، فقد كنت أريد لنفسي ككاتب حرية مطلقة لا يمكن لعضو في حزب أن يتمتع بها.

• و1952؟
فرحت بها. ولكنها لسوء الحظ لم تأت بالديمقراطية.

• هل ترى أن تقدمًا نحو الديمقراطية والحرية قد تحقق منذ زمن ناصر والسادات؟
طبعًا، ما من شك في ذلك. في زمن ناصر كان المرء يخاف من الحوائط. كان الكل خائفا. كنا نجلس في المقاهي، والخوف يمنعنا من الكلام، كنا نخشى الكلام في بيوتنا. كنت أخاف أن أكلم ابنتى عن شيء حدث قبل الثورة فتذهبا بعد ذلك إلى المدرسة لتقولا ما يساء تفسيره. السادات جعلنا نشعر بمزيد من الأمن.

 حسني مبارك؟
دستوره غير ديمقراطي ولكن هو ديمقراطي، نستطيع الآن أن نقول رأينا. الصحافة حرة. نستطيع أن نجلس في بيوتنا ونرفع أصواتنا كما لو كنا في إنجلترا. ولكن الدستور بحاجة ماسة إلى تعديل.

• هل تعتقد أن الشعب المصري جاهز الآن لديمقراطية كاملة؟ هل يفهم فعلا كيف تعمل الديمقراطية؟
أغلب الناس في مصر اليوم مشغولون بلقمة العيش. بعض المتعلمين فحسب هم الذين يفهمون كيف تعمل الديمقراطية. ما من شخص يعول أسرة لديه ولو لحظة ليتناقش في الديمقراطية.

• هل عانيت كثيرًا من الرقابة؟ هل اضطررت إلى إعادة كتابة أي من مخطوطات أعمالك؟
ليس مؤخرًا. لكن أثناء الحرب العالمية الثانية تعرض روايتا «القاهرة الجديدة» و«رادوبيس» للرقابة، اعتبروني يساريًا. الرقباء اعتبروا «رادوبيس» عملًا مهيجًا لأن الشعب فيها يقتل ملكًا، وكان ملكنا لا يزال حيًا. أوضحت لهم أنها مجرد حكاية تاريخية، ولكنهم زعموا أن التاريخ مزور، وأن الملك لم يتعرض للقتل على يد شعبه، وإنما مات في ظروف غامضة.

• ألم يعترض الرقباء أيضا على «أولاد حارتنا»؟
اعترضوا، وبرغم أني كنت في ذلك الوقت مسئولًا عن جميع أنواع الرقابة، نصحني رئيس الرقابة الأدبية ألا أنشر الكتاب في مصر تجنبًا للصراع مع الأزهر، معقل الإسلام الرئيسي في القاهرة. صدرت في بيروت ولم يسمح لها بدخول مصر. كان ذلك سنة 1959، في عهد ناصر. وحتى الآن لا يمكن شراء الكتاب هنا لكن الناس يهربونه.

• ماذا كنت تقصد من «أولاد حارتنا»؟
أردت من الكتاب أن يبين أن للعلم مكانًا في المجتمع، تماما مثل الدين الجديد، وأن العلم ليس بالضرورة في صراع مع القيم الدينية. أردت أن أقنع القراء أننا لو نبذنا العلم لنبذنا معه الإنسان العادي، غير أنه أسئ فهمها لسوء الحظ، أساء فهمها أولئك الذين لا يعرفون كيف يقرأون قصة، وبرغم أن الكتاب عن الحارات ومن يديرون الحارات، أسئ تأويله واعتُبر كتابًا عن الأنبياء أنفسهم. وبسبب هذا التأويل لا تزال القصة تعد صادمة، وهذا طبيعي، إذ هي وفقًا لهذه القراءة تصور الأنبياء حفاة قساة.

• هل كنت متدينًا في طفولتك؟ هل كنت تذهب مع أبيك إلى المسجد كل جمعة؟
كنت متدينًا بصورة خاصة وأنا صغير. ولكن أبي لم يكن يضغط علىّ للذهاب لصلاة الجمعة، برغم أنه كان يذهب كل أسبوع، فيما بعد بدأت أشعر بشدة بأن الدين ينبغي أن يكون منفتحًا، وأن الدين منغلق العقل- اللعنة، يبدو لي الانشغال المفرط بالدين ملاذًا يلوذ به الناس حين تنهكهم الحياة. إنني أعتبر الدين بالغ الأهمية ولكنه قد يكون خطرًا أيضا. فلو أردت التأثير في الناس وتحريكهم، فإنك تبحثين عن نقطة حساسة. وليس في مصر شئ يؤثر في الناس ويحركهم أكثر من الدين. ما الذي يجعل الفلاح يعمل؟ الدين. ولهذا السبب، ينبغي تفسير الدين بطريقة منفتحة، ينبغي أن يتكلم في الحب والإنسانية. الدين مرتبط بالتقدم والحضارة، لا بالعواطف وحسب. ولكن تفسيرات الدين اليوم للأسف غالبًا ما تكون متخلفة ومناقضة لاحتياجات الحضارة. 

• ماذا عن النساء اللاتي تغطين رءوسهن، بل ووجوههن وأيديهن؟ هل هذا مثال على الدين إذ يناقض احتياجات الحضارة؟
تغطية الرأس باتت موضة. وهى لا تعني أكثر من هذا الغالب. ولكن ما أخشاه بحق هو التعصب الديني... ذلك تطور هدام، معارض تمامًا للإنسانية.

• هل تصلي حاليًا؟
أحيانا. ولكن السن يمنعني في الوقت الراهن. بيني وبينك. أنا أعتبر الدين سلوكًا إنسانينًا جوهريًا. ولكن معاملة الناس بطريقة جيدة أهم من قضاء المرء كل وقته في صلاة وصيام وسجود. فالله لم يرد من الدين أن يكون ناديًا للتدريبات الرياضية.

• هل ذهبت إلى مكة؟
لا.

• هل تريد الذهاب؟
لا. فأنا أكره الزحام.

• كم كان عمرك حينما تزوجت؟
سبعة وثلاثون أو ثمانية وثلاثون.

• ولم كل هذا التأخر؟
• كنت مشغولًا بوظيفتي وكتابتي. كنت موظفًا حكوميًا في الصباح وكاتبًا في المساء. كان وقتي ممتلئا تماما. كنت خائفًا من الزواج.. خاصة حينما رأيت قدر انشغال أشقائي وشقيقاتي بارتباطات اجتماعية سببها الزواج، فهذا يزور، وذلك يزار. كان لديّ انطباع بأن الحياة الزوجية سوف تستهلك وقتي. كنت أراني غارقًا في الزيارات والحفلات بلا حرية.

• حتى الآن.. ألست ترفض حضور حفلات العشاء والاستقبال؟
لا أحضر أبدًا هذه الفعاليات. بل إنني لا أزور أصدقائي.. ألتقي بهم إما في كازينو قصر النيل أو في المقهى.

• ألهذا السببب لم تذهب إلى السويد لاستلام جائزة نوبل؟ هل من كل تلك الزيارات ودعوات العشاء والحفلات؟
لا، ليس بالضبط. بقدر ما أود لو كنت سافرت حينما كنت شابًا، بقدر ما فقدت هذه الرغبة حاليًا. مجرد رحلة لمدة أسبوعين يمكن أن تهدد نمط حياتي.

• ما أصعب موقف قابلته في حياتك؟
إنه يقينًا قراري بتكريس حياتي للكتابة، والقبول تبعًا لذلك بأقل مستوى معيشي لنفسي وأسرتي، وازداد الأمر صعوبة حينما لاح أمام عيني طريق المال.. قرابة سنة 1947 حينما سنحت لي فرصة أن أصبح كاتب سيناريو مع أفضل مخرج في المجال. بدأت العمل مع المخرج السينمائي صلاح أبو سيف، ولكنني توقفت، رفضت الاستمرار. ولم أعد للعمل معه مرة أخرى إلا بعد الحرب حينما أصبح كل شيء باهظ الثمن، قبل ذلك، ما كنت لأفكر في الأمر. وأسرتي رضيت بتلك التضحيات.

• كثير من الكتاب البارزين لاسيما في الغرب مشهورون بحياتهم المتدنية، الإفراط في الشراب، الإدمان على المخدرات، العادات الجنسية غير المعتادة، النزعات الانتحارية. أما أنت فتبدو مثاليًًا!
يعني..

• وربما ذلك أكبر عيوبك؟
طبعًا هذا عيب. ولكنك تحكمين علىّ في شيخوختي. في شبابي فعلت كل شيء، شربت، وجريت وراء الجنس الناعم، وما إلى ذلك.

• هل تعبر نفسك بطلًا؟
أنا؟!

• ألست مثالًا بالنسبة إلى أبنائك وجمهورك، للشخص الذي يلتزم بمبادئه في مواجهة الشدائد؟
نعم، يقينًا. ولكني لا أعتبر نفسي بطلًا.

• إذن كيف تصف نفسك؟
شخص يحب الأدب. شخص يؤمن بعمله ويخلص له. شخص يحب عمله أكثر مما يحب المال أو الشهرة. طبعًا لو جاء المال والشهرة فأهلًا وسهلًا، ولكنهما لم يكونا قط هدفي.

• لماذا؟
لأنني أحب الكتابة أكثر من أي شيء آخر. قد يكون هذا ضارًا، ولكني أشهد أنه بدون الأدب لا معنى لحياتي. قد يكون لديَّ أصدقاء جيدون، رحلات، رفاهية، ولكن بغير الأدب كانت حياتي ستصير بؤسًا كاملًا. هذا شيء غريب، ولكنه ليس كذلك فعلًا، فأغلب الكتاب كذلك. ولا أعني بذلك أنني لم أفعل في حياتي غير الكتابة. أنا متزوج، وعندي ابنتان. وبعد أن أصابتني تلك الحساسية في عيني منذ 1935 صرت أمتنع عن القراءة والكتابة طوال الصيف، ففرض هذا شيئًا من التوازن على حياتي، توازن من عند الله. صرت أعيش في كل عام 3 أشهر حياة رجل عادي لا علاقة له بالكتابة. في هذه الأشهر الثلاثة أقابل أصحابي وأبقى ساهرًا خارج البيت حتى الصباح.. أفلم أعش؟!
...........................
المصدر:
«بيت حافل بالمجانين».. حوارات «دي باريس رفيو».. ترجمة وتقديم أحمد الشافعي.
الجريدة الرسمية