أنيس منصور يكتب: خمسة أسطر
في كتابه (معنى الكلام) الذي يضم مجموعة مقالات الكاتب الصحفى أنيس منصور، قال في أحدها تحت عنوان (خمسة أسطر) قال فيه:
إذا كان يهمك ما سوف يقوله الناس عنك بعد ذلك، فمن الأفضل ألا تنشغل كثيرا بذلك، فالناس الذين سوف يقولون رأيهم فيك بعد عمر طويل، أنت لا تعرفهم ولا تدرى إن كانوا منصفين أو ظالمين، أو كان لديهم من الوقت لكى ينصفوك وهم مظلومون أو يخلدوك وهم ضائعون، أو يرفعوا الطين الذي على رؤوسهم ويضعوك.
فأنت تجد في دائرة المعارف أن الفيلسوف العظيم فلان الفلانى قد ولد سنة كذا ومات بعدها بسبعين عاما، وكان مثيرا عنيفا وأحبه الناس وله ستة من الأولاد.. انتهى كل ما يمكن أن يقال عن رجل عاش هذه الفترة الطويلة، وأثار وأمتع الناس وأنجب أولادا لهم حياة معه وبعده، ثم مات وانتهى.
وقد انشغل بعض المفكرين بما سوف يقوله الناس بعد وفاتهم، ولذلك فضلوا أن يسبقوا الناس إلى هذا الكلام فكتبوا مذكراتهم وتاريخ حياتهم ونشروها وهم أحياء حتى لا يعطوا لأحد فرصة أن يقول عنهم ما يشاء.
وبعضهم نشر نعيه قبل وفاته مثل برنارد شو، ووفر على الناس أن يمشوا في جنازته واكتفى بدعوة بعض الحيوانات التي أحبها ولم يأكل لحمها.
وبعضهم كتب على قبره: لم يمت ولكن دفن حيا، أو كتب على قبره يقول: ولد يوم كذا ومات يوم كذا وعاش قبل ذلك أربعين عاما.
وفى كتاب عربى قديم نشره الدكتور حسن حبشى بعنوان (إنباء الغمر بأنباء العمر) من تأليف العسقلانى يقول عن أحد رجال الدين ابن المالكى شمس الدين المولود عام 751 هجرية وهو من المؤذنين بالمسجد الأموى وهو جهورى الصوت حسن الشكل طلق الوجه توفى بعد مات أولاده بالطاعون.
هل تعرف كم نصيب الرجل وما الذي أصابه بعد ذلك في حياة استغرقت تسعين عاما خمسة سطور.

