خمسة مليمات.. كانت البداية
في كتابه "أنا" الذي يسرد فيه سيرته الذاتية يقص الأديب عباس محمود العقاد واقعتين عابرتين شكلتا تكوينه الفكرى والأدبى فيقول:
لم يكن مصروفى يزيد على خمسة مليمات أي بتعريفة في اليوم إلا لتصل إلى خمسة قروش في الأسبوع استلمها كل يوم خميس. فلا أشترى بها مأكولات أو حلويات أو فاكهة، ولا أذهب بها إلى ملعب البهلوان أو صندوق الدنيا أن كان بالمدينة ملعب، فالبهلوان لا يقيم في بلدنا إنما يأتى إليها كل بضعة أشهر.
وإذا كان معى ثمن الكتاب اشتريته لساعته وإلا أعطيت العطار "الدكان الذي كان يبيع الكتب" قرشين بعد قرشين حتى يتم الثمن المطلوب. بهذه الطريقة قرأت العقد الفريد وثمرات الأوراق والمستطرف والكشكول ومقامات الحريرى وبعض الدواوين. ساعدتنى من المصادفات التي لا تتيسر إلا كل حين حيث كانت أسوان يومئذ مرتادا لمئات السائحين كل شتاء. وكان فيها فندقان كبيران وفنادق أخرى دونهما في العظم والوجاهة تزدحم جميعا بالسائحين من مختلف أقطار العالم.
تعودنا فيها أن نرى كل شتاء مكتبات عامرة بالمراجع التاريخية والقصص والصحف والمجلات الأدبية والفكاهية، ولم يكن من العسير علينا أن نحصل على بعضها بالثمن المستطاع بل كان يتفق أحيانا أن يزور مدرستنا أناس من علية السائحين ومعهم أبناؤهم وبناتهم يطلبون تبادل الرسائل، ويبعثون إلينا بالهدايا من الكتب التي تعجبهم ويقدرون أنها تعجبنا.
ولا أنس أحد السائحين وكان إنجليزيا مسلما اسمه ماجور فيكسون.. يوم أن جاءنى منه بعد عودته إلى بلاده كتابان أحدهما ترجمة القرآن والآخر كتاب كارليل عن الثورة الفرنسية، وهو الوحيد الذي اختار لى هذا الاختيار، ولا أزال أذكره كلما توسعت في القراءة، فعلمت أنها تقوم في الأغلب الأعم على هذين القطبين من المطالعة أصول العقائد وفلسفة الثورات الاجتماعية من وجهة البطولة والأبطال.

