رئيس التحرير
عصام كامل

مفتي الجمهورية بمؤتمر «نشر السلام» في المالديف: الإسلام دين الحضارة ولم ينتشر بالسيف.. «شوقي علام»: الإفتاء أهم النشاطات العلمية وشروط وضعها العلماء لمن يتصدر لها.. والدين يجعلنا م

الدكتور شوقى علام
الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية
18 حجم الخط

ألقى الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية، اليوم الأحد، الكلمة الرئيسية لمؤتمر "نشر السلام ودور الفتوى في تعزيزه"، خلال زيارته الرسمية لجزر المالديف، وأكد المفتي أن من سمات الدين الإسلامي ومقاصده: السلم، والعدل، والأمن، والرحمة، للبشرية جمعاء، بل للعوالم والأكوان من حولنا، ومن ثم، فإن أي نشاط أو دعوة أو علم يدور في فلك هذا الدين العظيم أو يتحدث باسمه أو يزعم أنه يحقق مقاصده، ينبغي أن يكون محققًا لهذه المعاني السامية الراقية من نشر السلم والرحمة والأمن والعدل بين الناس، وكل فكر أو نشاط يحقق عكس هذه المعاني، فلا شك أنه بعيد تمام البعد عن دين الإسلام وعن هدي رسول الإسلام ونبي السلام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.


مراحل الدعوة
وأوضح المفتي أن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، قد مر في مراحل دعوته للإسلام الحنيف بمراحل وأطوار متعددة، من الاستضعاف بمكة المكرمة، حيث بلغ المشركون حدًّا لا يوصف من إلحاق الأذى بالمسلمين المسالمين، فلما نزل عليه الوحي مسليًّا له طالبًا منه أن يأمر بإطباق الجبلين على المشركين؛ انتقامًا منهم، رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم، عسى أن يهديهم الله تعالى، أو أن يخرج من أصلابهم مَن يعبد الله تعالى، فالغرض ليس إلحاق الأذى والانتقام، وإنما الغاية هدايتهم إلى طريق الله تعالى.

دين السلام
وقال مفتي الجمهورية: "إن كل منصف، مسلمًا كان أو غير مسلم، قرأ القرآن الكريم وطالع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأخلاقه الشريفة، في معاملة غير المسلمين سلمًا وحربًا ومعاملة وتجارة وبيعًا وشراء، ليعلم علمًا يقينيًّا لا شك فيه، أن الإسلام لم يأتِ إلا لنشر السلم والسلام والأمن والرخاء بين الناس أجمعين، فإن الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم قد مكث ثلاث عشرة سنة كاملة في مكة، يدعو إلى توحيد الله بالسلم والأمن والأمان، لم يستعمل عنفًا ولا سلاحًا، ولم يروِّع أحدًا".

فرية القتال
وأضاف المفتي أنه لا يجوز وفقًا لما سبق أن يدَّعي مدَّعٍ أن الله تعالى فرض القتال لنشر الإسلام، فهذه فرية قد تصدى لتفنيدها كثير من الكتاب والباحثين المنصفين من المسلمين وغير المسلمين، وبينوا ضلالها وبطلانها بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، فالإسلام لم ينتشر إلا بالأخلاق المحمدية الحميدة.

وما كان لهذا الدين أن يحقق هذا الرسوخ والانتشار الواسع خارج نطاق الجزيرة العربية إلا بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمعاملة الطيبة، والقدوة الصالحة، هكذا كان ديننا الحنيف، وهكذا كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي شوهت تلك الجماعات الضالة سنته ودعوته بنشر الأكاذيب والممارسات والأفهام المغلوطة.

وشدد مفتي الجمهورية على أنه من العقل والحكمة أن ندرك أنه لا سبيل البتة إلى نشر الأفكار والعقائد بقوة السيف، وقد قرر القرآن الكريم مبدأ أنه {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}، ومبدأ الحرية في اختيار العقيدة التي يسير عليها كل إنسان بقناعاته الشخصية والعقلية {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} فالإسلام دعوة سلمية في الدعوة إلى عقائدها، ومبادئها وأحكامها، وعلاقتها بالآخرين تقوم على المحبة والسلم لا على العنف والإكراه.

أفكار شاذة
وأوضح المفتى أن من الأفكار الشاذة التي نشرتها هذه الجماعات وروجت لها، أن العلاقة بين المسلم وغير المسلم تقوم على الكراهية والبغضاء والعداوة، لمجرد اختلاف الدين والعقيدة، مع أن الله تعالى جعل هذا الاختلاف علة للتعارف والتعاون والتكامل بين أفراد الجنس البشري، على اختلاف عقائدهم وألوانهم، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

مشاعل النور
وأشار إلى أن ديننا الحنيف يدعونا معاشر المسلمين أن نكون مشاعل نور وخير وهدى وسلم وأمان للبشرية أجمعين، وإن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع غير المسلم بيعًا وشراءً وقرضًا واستقراضًا وشركة ورهنًا وإجارة، وكل هذه الأنشطة الحياتية ما كانت لتؤتي أثرها الإيجابي البناء، إلا إذا كانت عن تراضٍ ومحبة وتسامح وقلوب لا تعرف الشحناء والبغضاء إليها سبيلًا.

واستطرد مفتي الجمهورية قائلًا: "عندما نرصد ونحلل هذه الأفكار، نعلم يقينًا أن الجهل بالإسلام وحقيقته وسماحته، كان سببًا أكيدًا في نشر هذه الأفكار الضالة، حيث كان مبدأ ضلال وشذوذ هذه الجماعات أنها لم تسلك سبل العلم التي ورثناها عن أسلافنا الصالحين، حيث بينوا لنا البدايات والنهايات، والوسائل والمقاصد، وعلوم الآلة وعلوم الغاية والعوائق والمشكلات التي تعترض طالب العلم وكيفية مواجهتها والتعامل معها على الوجه الذي ينتج عالمًا متكاملًا واسع الفهم بالدين والواقع والمآلات والمقاصد الشرعية المرعية.

أهمية الفتوى
وأوضح أنه لما كانت ممارسة الفتوى أمرًا جليلًا وعملًا عظيمًا له أثره أو خطره على الناس والمجتمعات، حيث اعتبر المفتي موقعًا عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وضع العلماء والفقهاء لها من الشروط والآداب والضوابط ما يضمنون معها أن تكون الفتوى محققة لغرض السلم والأمن والرحمة بعيدة كل البعد عن الفوضى والعنف والإرهاب.

واستعرض فضيلة المفتي الشروط التي أقرها العلماء التي يجب توافرها فيمن يقوم بمهمة الإفتاء، ومنها: أن يكون مدركًا فاهمًا للنصوص الشرعية، وعالمًا بمواطن الإجماع، وباللغة العربية وبأصول الفقه ومقاصد الشريعة، وأن يكون فقيه النفس، وأن يكون مدركًا للواقع، وأن يكون قادرًا على تنزيل النصوص على الواقع، وكل شرط من هذه الشروط به من التفاصيل والدقائق ما لا يتسع المقام لذكره، والغرض أن نعلم أن الفتوى بعيدة كل البعد عن الممارسة العشوائية الفوضوية، بل هي صناعة علمية دقيقة لا يتقنها إلا الراسخون في العلم، الذين يتقون الله تعالى ويعظمون العلم والشريعة غاية التعظيم.

فوضى الفتاوى
وأضاف: "لقد نتج عن انتشار فوضى الفتاوى وعدم الالتزام بالمعايير والضوابط والشروط التي وضعها العلماء الكرام كأساس لممارسة لفتوى وألفوا فيها الكتب والمصنفات الجليلة العظيمة– مزيد من الفوضى والدماء والعنف والخراب، الذي لم يعد قاصرًا على الأفراد أو الكيانات الصغيرة، بل تطور حتى دمر مجتمعات وبلادًا بأسرها؛ ومن ثم فقد أصبح التكاتف والتعاون من أجل محاصرة هذا الفكر الشاذ المتطرف أمرًا لا بديل عنه ولا ينبغي التواني عنه أو تأجيله بحال".

وأوضح فضيلته أن هذه الجماعات الضالة نتج عنها فكرة جاهلية المجتمعات وتكفير الناس بعامة واستحلال الدماء والأعراض، ومحاولة السيطرة على مقاليد الحكم عن طريق نشر فتاوى الفوضى والعنف وإذاعة الأفكار العنيفة الشاذة بين الناس واستقطاب الشباب والشابات عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي وللأسف الشديد رغم فساد أفكارهم فقد حققوا شيئًا مما يطمحون إليه على أرض الواقع.

دار الإفتاء

وعرض المفتي لمجهودات دار الإفتاء المصرية وتجربتها الفريدة في مواجهة الفكر المتطرف والشاذ، قائلًا: "دَعَوْنا جميع المسلمين شرقًا وغربًا إلى إنشاء مؤسسة عالمية للإفتاء هي الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، وكان لهذا الحدث العظيم مؤتمر تأسيسي اتفقت فيه جميع الأطراف من كافة المؤسسات الدينية في العالم على ضرورة وجود هذه المؤسسة الجامعة، ووضعنا الآليات والاستراتيجيات والبرامج والخطط وقبل ذلك الأهداف بالتعاون مع جميع الدول المشاركة في تأسيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم. 

وقد خرجت هذه المؤسسة إلى النور منذ ثلاثة أعوام، مضطلعةً بكثير من القضايا والمهام الدعوية والعلمية، على رأسها نشر صورة الإسلام الصحيح بجميع لغات العالم، وقضية تصحيح المفاهيم والأفكار الشاذة والمتطرفة عن طريق برامج تدريب للدعاة والعلماء من دول عديدة، وإصدار موسوعات كبيرة لمناقشة هذه الأفكار الشاذة، وعقد المؤتمرات العالمية التي تعنى بالشئون العامة والهامة للمسلمين كان آخرها المؤتمر المنعقد في العام الماضي تحت عنوان دور الفتوى وأهميتها في المحافظة على الاستقرار في المجتمعات".

وشدد مفتي الجمهورية في نهاية كلمته على أن الدور الهام الذي تلعبه الحكومات والمؤسسات السياسية والعسكرية بجانب المؤسسات الدينية، والتعاون الكامل بين الدول والمؤسسات في هذا الصدد سيؤدي حتمًا إلى النجاح وإلى محاصرة هذا الفكر الظلامي المتطرف، ومحاصرة تلك الفتاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان.
الجريدة الرسمية