الثقافة والأقباط.. "القعيد" ضد تقسيم الأدب إلى "مسيحى" و"إسلامى".. وعيسى: يجب التفرقة بين العقائد وأدبيات التعايش مع الآخر.. وموسى: لا توجد أعمال أدبية بارزة تناقش هموم المسيحيين
أبدى عدد من الكتاب والمثقفين عدم رضائهم عن التجاهل الذى يتعرض له الأقباط بعد الثورة، والفتاوى الصادرة من بعض شيوخ التيارات الإسلامية التى تحرم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، معربين عن قلقهم من تزايد الاحتقان الطائفى، بما يهدد النسيج الواحد للمصريين.
كما أبدى بعض
الكتاب تخوفهم من تناول العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى كتاباتهم، سواء كانت أدبا
أم شعرا، مشيرين إلى أن الأمر محفوف بمخاطر كثيرة، وتجعل البعض يفكر ألف مرة قبل الإقدام
على هذه الخطوة.
وقال الروائي الكبير
يوسف القعيد إن كثرة دفاعه عن المسيحيين جعلت كثيرين يعتقدون أنه مسيحي، مشيرا إلى
أنه ضد إطلاق مسمى الأقباط على المسيحيين، فالأقباط هم جميع المصريين، مضيفا أنه من
قرية فيها كنيسة، ويعي مشكلة الاحتقان الطائفي وضراوتها منذ أن كان طفلا صغيرا، فأمه
كانت تقول له لا تذهب ناحية الكنيسة حتى لا يضعوك في البئر وتتحول إلى نصراني".
ورأى القعيد أن اقتراب
الأدب من هذه المشكلة محفوف بمخاطر كثيرة ويرجو من الإخوة المسيحيين أن يدخلوا المعترك
لأنهم يرون الجزء الأكبر من الصورة.
وأشار في هذا الصدد
إلى رواية "قرية غرب النيل" للأنبا يوحنا قلتة، والتي تتحدث عن تحول شخص
مسيحي إلى الإسلام ليتزوج من مسلمة يحبها، ورواية "شبرا" لنعيم عطية، موضحا
أنه تناول هموم الأقباط في رواية "قطار الصعيد"، ورواية "قسمة الغرماء"
وتقومان على فكرة أن تقسيم هذا الوطن سيتسبب في خسارة فادحة للجميع.
وأكد القعيد على أن
أدبيات التعامل مع المشكلة تنطوي على خطأ، فمثلا الحديث عن "عنصري الأمة"،
أو "متانة الوحدة الوطنية"، وحتى كلمة "الوحدة" تفترض وجود طرفين،
وأشار القعيد إلى ملاحظته عندما قام البابا تاوضروس مؤخرا بافتتاح كنيستين في سوهاج،
اقتصر الحضور على المسيحيين، وهو أمر جديد وغريب، تماما مثل ظهور تعبير "الأدب
الإسلامي" و"الرواية الإسلامية" و"الرواية المسيحية"، فهذا
لا يجوز، لأن الأدب يجب أن يكون أدبا وحسب.
وقالت الروائية الدكتورة
هويدا صالح، إنه كان يمكن أن يكون للثقافة الأثر الإيجابي في رأب الصدع بين المكونين
الثقافيين في التركيبة الاجتماعية المصرية، وأن تكرس لمعنى المواطنة والمساواة بين
كل العناصر والمكونات الثقافية في المجتمع، مؤكدة أنه مطلوب صياغة جديدة للثقافة التي
تضطهد الآخر.
وأضافت "صالح":
"بهذا الفشل ظل الآخر المسيحي بالنسبة إلى المسلم عالما مغلقا، ولم تعرف الثقافة
بالآخر، ولم تتناول حياته وتفاصيلها وخصوصيتها، بل دأبت على تصدير صورة للمسيحى نمطية
وضبابية، وقدمت نظرة أحادية لذلك الآخر ورددت بدون وعى أو تأمل مقولة عنصري الأمة،
"المسلمون والمسيحيون إيد واحدة"، وإلى غير ذلك من الجمل الشعاراتية، ولم
تفلح أن تحول تلك المعاني إلى ممارسات على أرض الواقع، ولم تستطع أن تزيل ذلك الاحتقان
الديني الحاد بين المصريين".
وتساءلت: "هل
تستطيع الثقافة أن تحل الأزمة الشائكة المرتبكة بين المسلمين والمسيحيين خصوصا بعد
ثورة يناير؟.. وهل تقوم بدورها الآن فى تكريس معنى المواطنة التامة دون تلك النظرة
العنصرية التي تصنف الناس على أساس الجنس أو الدين أو اللون؟".
وتابعت "صالح":
"على أجهزة الثقافة والإعلام أن تعيد صياغة الثقافة الشعبية التى بها بعض العبارات
أو الكلمات التى تضطهد الآخر، وكذلك آن الأوان أن تلعب دورها بتحرير العقل لإعادة الوعي
المفقود والتخلص من العنصرية والطائفية، ولابد تتصدى الثقافة للتهميش والإقصاء الذي
يمارس ضد شريك الوطن".
واعتقد الكاتب صلاح
عيسى أن اهتمام المثقفين والأوساط الثقافية بمشكلة الاحتقان الطائفي في مصر "قديم"،
لكن المشكلة عميقة متجذرة وتدور في أوساط ليست معنية بالعمل الثقافي ولا تتابع غالبية
منتجة خصوصا الكتب.
وأضاف عيسى أن مشكلة
الاحتقان الطائفي تدور بين عوام الناس، وجزء من المشكلة أن الجماعات الدينية في الجانبين
تؤجج هذه المشكلة وتنشر ثقافة التعصب وكراهية الآخر.
ورأى أن الجهد الثقافي
في معالجة هذه المشكلة يعد الأقل تأثيرا، لأن المشكلة متعلقة أساسا بالتعليم والإشكاليات
الاجتماعية كالفقر، وأن هناك عوامل أهم من العامل الثقافي في معالجة الاحتقان الطائفي،
مثل التعليم الذي يتم تلقينه في المدارس منذ الطفولة قد يكون أكثر تأثيرا من الثقافة،
لكن من المؤسف أن هناك مدرسين يتهمون بنشر التعصب.
ودعا عيسى إلى مواجهة
المشكلة كجزء من السياسة العامة للدولة، معتبرا أن مشكلة الاحتقان الطائفي "تعالج
بشكل غير مسئول".
وأشار الشاعر والروائى
صبحى موسى أنه على الرغم من أن الأقباط شركاء أصليون في المجتمع المصري، ولا يمكن أن
تغفلهم عين مهما فكرت في تجاهلهم أو نسيانهم، إلا أن حضورهم في الأدب لا يمثل واحدا
على عشرة من حضورهم في الواقع.
وأكد موسى أن مرجع
ذلك سببان، الأول يخص الأقباط أنفسهم، فهم لا يتيحون ثقافتهم للجميع، ويتعاملون مع
أنفسهم في كثير من الأحيان على أنهم جماعة منغلقة على نفسها، والأمر الثاني، وهو ما
يستحق الوقوف عنده، أن تخوف الأقباط من الكتابة عن أنفسهم ثقافيا واجتماعيا، بمعنى
طرح القضايا الخاصة بهم على الملأ، جعل وجود الكتاب الأقباط على الساحة شبه هامشي،
فلا عددهم يتناسب مع تمثيلهم الواقعي، ولا ما يطرحونه من أدب يتناسب مع عمق تاريخهم
وكبر مشكلاتهم الإنسانية والاجتماعية.
وأضاف أن ذلك يجعل
الهيمنة دائما لكتابات أنجزها مسلمون، على غرار "خالتي صفية والدير" لبهاء
طاهر، "لا أحد ينام في الإسكندرية" لإبراهيم عبد المجيد، ولا يكاد يتضح لنا
إن كان جميل عطية إبراهيم أو رؤوف مسعد من الأقباط، ويبدو أن الوحيد الذي كان مرشحا
لفك هذا الطلسم المضروب على الثقافة القبطية هو إدوار الخراط، لولا أن ثقل اللغة لديه
يحول دون ذلك، وهذا ما يفسر لنا حضور الأقباط بشكل أقوى في الكتابات النقدية والفكرية
كغالي شكري ولويس عوض وغيرهما.
كما اعترف الدكتور
صلاح الرواي، الأستاذ بأكاديمية الفنون أن المثقفين لم يتصدوا بشجاعة للوقوف على جذور
الخلافات الطائفية تاريخيا واجتماعيا وثقافيا، وإنما وقفوا دوما عند القشور التي غلب
عليها الحس السياسى وتبريرات الأنظمة ومغازلة الطوائف حسب الأحوال.
وأكد الراوى أن الاحتقان
بين عنصري الأمة الآن عميق ومتجذر، بل بلغ حد الداء العضال لسوء الوضع الاقتصادي والتعليمي،
موضحا أن الحل لن يكون ثقافيا فقط، بل يجب تحسين التعليم وعلاج الاقتصاد، فالصراع الآن
في جوهره هو صراع اجتماعي اقتصادي دخلت السياسة فيه من خندق الصراع الدينى بالقول..
مسلم ومسيحي، سنى وشيعي، أرثوذكس وكاثوليكي، وهكذا..
وقال إنه بمواجهة الاستغلال
الطبقي ستختلف الصورة ولا مدخل آخر، وإن كان صعبا ولكنه المدخل الصحيح الناجز وما عداه
"ضحك على الذقون"، من أي طائفة أو ملة أو مذهب.
وأشار الراوي إلى أن
الصراع ليس بين الكادح المصري المسلم والكادح المصري المسيحي، ولكنه بين الكادح المصري
فى أية ملة والمستغل المصري من أية ملة.
ورأت الشاعرة والروائية
الدكتورة سهير المصادفة أن الأدب العربي بشكل عام لا يستطيع أن يتجاوز الأقباط، لأنه
حين يتم تجاوزهم يتم تجاوز جانب مشرق من جوانب تاريخ مصر الحضاري وتاريخ العالم، ويتم
تجاوز أعمدة ثقافية مهمة يجب أن يستند إليها الأديب، ويتم تجاوز ينابيع ثقافية في المكون
الإنساني بالغة العذوبة والجمال.
وأكدت أن وجود الأقباط
في الرواية العربية قد يكون مباشرا ومحوريا أحيانا، وقد يكون في أحايين كثيرة متواريا
ولكنه دائما موجود، والأعمال الروائية العربية حافلة بالأقباط كجزء من نسيج هذا الوطن
دون تمييز ودون افتعال، فهم الجيران والأحبة والمؤثرون بشكل لا يمكن تصوره في تاريخ
السرد العربي، بل في كل حكاياه وشتى جوانبه، وإذا لم يتم الالتفات للأقباط بالشكل المرجو
في الأعمال الأدبية تكون القضية هنا هي عدم بلوغ الأدب العربي المعاصر درجة الرشد.
وأضافت: لا أستطيع
رؤية مصر بدون أقباط، وهذا افتراض يقترب من المحال، فهم جزء أصيل وحبيب من هذا الوطن،
بل هم البداية وهم أصحاب مساهمة كبرى في بناء حضارته وهويته، وهوية مصر تكاد تكون ترجمة
حرفية لرسالة السيد المسيح عليه السلام، فهي نتاج احتضان كل الديانات وكل الحضارات
وكل الجنسيات وصهرها في بوتقة المحبة والسلام.
وشددت "المصادفة"
على أن هذه اللحظة ستكون عابرة، لأنها لا تعكس روح الأديان السماوية التى تدعو كلها
إلى نبذ العنف والتسامح، كما أثق تماما أن صناع الأدب دون استثناء لن يتهاونوا في الدفاع
عن هوية مصر.
