«فيتنام الجيش التركي».. معركة حسم بين أردوغان والأسد في عفرين
في الـ20 من يناير الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بدأ معركة عملية "غصن الزيتون" في عفرين، بهدف طرد الأكراد "وحدات حماية الشعب الكردية"، باعتبارهم إرهابيين يهددون الدولة التركية، فيما يقف الأكراد بدعم أمريكي من وراء الستار، وتربص روسي، بسحب الورقة الأخيرة من واشنطن.
واليوم دخلت عفرين في منعطف جديد، بوصول قوات شعبية موالية للنظام السوري إلى المنطقة، ودفعت تركيا لقصفها بمجرد وصولها، ودخلت المنطقة الحدودية بذلك وسط بورصة التكهنات؛ بهدف امتلاك مفتاح الحل وتحديد بوصلة النفوذ في سوريا.
استنزاف تركي
خرج الخليفة العثماني الجديد من أجل إظهار انتصار عسكري وسياسي في سوريا، على حساب الأكراد، بعدما استطاع بتعاون مع إيران في "وأد" حلم الدولة الكردية لإقليم كردستان العراق.
دخل أردوغان المعركة على الأرض؛ من أجل وضع نهاية لجناح مهم في الأمة الكردية، ولكن حتى الآن لم يستطع أردوغان تحقيق انتصاره السياسي والإقليمي في عفرين، رغم كل التصريحات العنترية التي خرج بها، وتبقى عفرين مقبرة للرئيس التركي، قد يدفن فيها مجد أردوغان خلال الستة عشرة سنة الماضية.
التقارير التي تشير لاستخدام الجيش التركي في عفرين "الغاز الكيماوي" يهدد بوضع الحكومة التركية تحت طائلة القانون والعقوبات الدولية، وهو ما يعني أن تصبح تركيا دولة مقيدة، بينما لن يخسر الأكراد شيئا، فهم باقون في الأرض ومستمرون حتى الآن، هم لديهم مكاسب قوية.
درس تاريخي
"عفرين" ربما تصبح إحدى الدروس التاريخية للجيش التركي، فما يحدث على الأرض هو استنزاف للجيش والدولة التركية، في ظل وجود قيادة هوجاء ومتغطرسة.
وترك الجميع الرئيس المتهور في التدخل العسكري؛ ليكون أشبه بـ"فيتنام كردية" للجيش التركي في سوريا.
إطالة أمد العمليات العسكرية التي لا بد أن تنتهي سريعا، يهدد شعبية أردوغان، أو يضرب نسيج شعبها في مقتل، فالأكراد أيضا جزء أيضا من الدولة التركية.
استمرار الحرب أيضا يزيد من النفقات الخاصة بتمويل الحملة العسكرية مما يزيد من استنزاف الخزينة العامة لحكومة أردوغان، في وقت يعاني فيه الاقتصاد اختلالات وشحا في موارد النقد الأجنبي.
ما بين جنوب تركيا ومنطقة إقليم قنديل في العراق والصراع في سوريا- الجيش التركي يدخل حرب استنزاف من قبل القوى الدولية، الأمر الآخر أن اللعبة الدولية والإقليمية سيخرج الأكراد بعدة مكاسب، حتى لو اعتبرهم البعض ورقة في يد القوى الإقليمية والدولية.
مكاسب رغم الحرب
دخول الطرف السوري الرسمي في حرب ضد أردوغان، واستمرار المعارك في عفرين، لا تشكل أي خسائر للأكراد، فحتى لو خسر الأكراد الحرب- حتى الآن لم يحدث- سوف يخرج الأكراد بعلاقات قوية مع الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والاتحاد الأوروبي، وكذلك دول إقليمية.
وتسلح الولايات المتحدة حليفة أنقرة في حلف شمال الأطلسي وحدات حماية الشعب الكردية في إطار تحالف تدعمه في سوريا ضد تنظيم "داعش".
ورغم أن هذا لم يعلن رسميا أو علنا على الأقل، فإن تسليح الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية دعم صمود الأكراد في مواجهة الجيش التركي.
وكذلك هناك علاقات واتصالات بين أكراد سوريا وموسكو، فقد كشفت قيادات بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، عن اجتماع ضم قيادات من أكراد سوريا مع مسؤولين سوريين وروس، في قاعدة حميميم العسكرية، قبل أيام من معركة عفرين.
مكاسب الروس
تراقب روسيا بحذر، بدهاء الثعالب؛ من أجل اقتناص فرصة مناسبة لصيد الأكراد لصالحها، وأيضا تترك حليف "أردوغان"، وهو حليف غير آمن، يستنزف حتى تدخل في الوقت المناسب، وتحصل على مكاسب جديدة من الرئيس التركي.
التصريحات الروسية حول معركة عفرين تتسم بالذكاء والهدوء، فهي تدل على أن الروس يتركون الجميع يغرقون في عفرين، وتبقى هي لتحصد المكاسب.
روسيا أعلنت رفضها المتحفظ للعملية العسكرية التركية في عفرين، ولكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبق أن أعلن مئات المرات رفضه القاطع لأي محاولة لتقسيم سوريا، وهو ما يخدم الأهداف الروسية في سوريا.
فتح علاقات واتصالات بين روسيا وأكراد سوريا يسمح لموسكو بسحب ورقة مهمة– الأكراد- في هندسة منطقة المشرق العربي بشكل عام، وسوريا بشكل لصالحها من يد واشنطن وأنقرة وطهران الحليف غير الآمن.
وقد تصبح "عفرين" الورقة الرابحة لروسيا وأمريكا، على دماء الجيش التركي، والذي قد يقبل رئيسه أي اتفاق يحفظ له انتصارا معنويا، فيما يحصل بوتين وترامب على صفقة في ملفات أخرى.
الولايات المتحدة
أمريكا ظهرت عاجزة في إدارة أزمة "عفرين"، وهي رغم علاقتها بالأكراد، إلا أنها تأرجحت بين الحليف التركي الغاضب، والحليف المتمرد "الأكراد" مما يجعلها مرشحة لخسارة الأكراد في سوريا، وكذلك تراجع مكاسبها في الكعكة السورية.
لكن حتى الآن لم يظهر أي فعل يدل على أن الولايات المتحدة لديها رغبة في خسارة الأكراد، لأن الأكراد في السياسية الأمريكية يشكلون ورقة يسهل اللعب بها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية بالضغط على خصومها في المنطقة وخاصة تركيا وإيران.
وأشارت تقارير عديدة إلى أن واشنطن تسعى إلى إقامة قاعدة عسكرية بمنبج، وهي منطقة سورية يسيطر عليها الأكراد؛ لتكون بديلا عن قاعدة "أنجرليك" التركية.
وقبل أيام قليلة، أعلن وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، أن التحالف الدولي الذي تتزعمه واشنطن في الحرب على تنظيم "داعش" الإرهابي، يسيطر حاليا على نحو ثلث الأراضي السورية.
معركة "عفرين" لا تهدد الحضور الأمريكي في سوريا، ولكن خسارة أردوغان لها وخسارة النظام السوري في كسب الأكراد يثبت أقدام واشنطن في شرق سوريا والفوز بـثلث الدولة السورية.
إيران
من الأطراف المؤثرة في معركة "عفرين"، إيران، التي تحفظت على العملية في البداية، وسرعان ما أعلنت رفضها للتقدم التركي في الأراضي السورية.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، إن إيران "تتابع عن كثب وبقلق الأحداث الجارية في مدينة عفرين، وتأمل انتهاء العمليات فورًا والامتناع عن تصعيد الأزمة في المناطق الحدودية بين تركيا وسوريا".
إيران تخشى من تمدد أردوغان في سوريا، مما يقلل من مكاسبها في الكعكة السورية، وهي حتى الآن الدولة الأقل حضورا في "عفرين"، حيث لا يؤمن الكرد للجانب الإيراني؛ نظرا لدور إيران في "وأد" حلم الدولة الكردية في العراق.
بشار الأسد
بشار الأسد يأمل أيضا في تحقيق أي مكاسب في عفرين، فهو ليس لديه ما يخسره في المعركة، وتحقيق أي مكاسب حتى لو حصل على وجود شكلي في المنطقة، بالاتفاق مع الأكراد، على دخول قوات موالية لنظامه، يشكل مكسبا سياسيا ومعنويا مهما في تثبيت وحدة الدولة السورية.
واستمرار المعارك وخسارة أحد الطرفين يشكل مكسبا للجيش السوري، بالتخلص من خصم ميداني؛ ليواجه خصما ميدانيا آخر، أو الوصول مع الجانب المنتصر إلى اتفاق يسمح لوجود شلكي للدولة السورية.

