فكري أباظة يكتب: بين البلطجة والبرطلة
في مجلة المصور، شهر يناير عام ١٩٥٧، كتب فكري أباظة مقالا، قال فيه:
نعتذر أولًا إلى أستاذنا وعالمنا الكبير الشيخ شلتوت عن استعمال هذين اللفظين العاميين الدارجين ــــــــــــ البلطجة والبرطلة.
لا تسعف اللغة الفصحى - في بعض الأحيان- بما تسعف به اللغة العامية من معني بليغ يصيب صميما أو معني ذائعا شائعا بين الجميع أو بين أغلبية الجميع.
نعم.. الديمقراطية أو العالم الحر أن أمريكا وإنجلترا وفرنسا تستولي على نصف العالم أو أكثر من النصف عن طريق البلطجة والبرطلة.
الاستعماران الإنجليزي والفرنسي اقتنصا آسيا وأفريقيا في القرن ١٩ عن طريق القرصنة والنهب والسلب والاختلاس باسم الغزو والفتح ولم يؤديا لذلك ثمنا.
وتلك هي البلطجة ولطم الوعي القومي الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي لطمات قاسيات في آسيا وأفريقيا في القرن العشرين، لكن البلطجة الإنجليزية الفرنسية لا تزال محتفظة ببعض الأسلاب في الملايو وقبرص وعدن وقناة السويس وشرق الأردن ومالطة وجبل طارق والسودان وخط الاستواء ومراكش والجزائر وتونس وليبيا ومدغشقر والهند الصينية وغيرها في جميع أنحاء العالم.
ورغم ذلك تعاني البلطجة الإنجليزية الفرنسية الأمرين في مصر وفي تلك المناطق، والمعركة الدائرة حامية الوطيس.
تلك هي بداية البلطجة وهذه هي نهايتها، وذلك لظهور جديد، وهذا الجديد هو نوع جديد من الاستعمار، هو استعمار الديمقراطية والعالم الحر، وهذا النوع يقف جنبا إلى جنب بجوار البلطجة وهو "البرطلة".
استعمار البرطلة... هو الاختراع الأمريكي الجديد في النصف الثاني من القرن العشرين، والاختلاف بينه وبين استعمار البلطجة أنه هنا له ثمن وبمقابل بما سمته أمريكا المعونة العسكرية والاقتصادية.
غزا استعمار البرطلة نصف وسط أوروبا ونصف البلقان، واندفع نحو إسبانيا، ولف حول حوض البحر المتوسط، ثم كوريا والشرق الأوسط وإيران وباكتسان.
والسؤال هنا: هل تستطيع الدول العربية أن تتحمل استعماري البرطلة والبلطجة؟
هل نستطيع أن نتملص وأن تتخلص من الأخطبوطين معا وأحدهما جاثم والآخر قادم؟
إنها تكافح الجاثم، فلو شاء القدر لها أن تنجو بحريتها واستقلالها بعد التضحيات فإنها تستقبل الثاني - وهيهات - وهذا هو مفترق الطرق.

