الأقصى.. مائة عام من الضياع.. و«العرب» غارقون في الأزمات
لا يزال القدس والأقصى أسيرين في يد حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وربما لأول مرة منذ قيام إسرائيل نرى «لا مبالاة» في الشارع العربي تجاه ما يحدث بالأقصى، وقد نرى مظاهرات يتيمة، بعكس ما كان يشهده الشارع العربي من انتفاضة حقيقية قبل ثورات الربيع العربي، والذي تحول إلى خريف دموي، تتقاطع فيه وتشيخ دول، وأصبح كل شعب عربي يبحث عن مصالحه، بدلا من أن كان عضو واحدا في جسد الأمة العربية مثخنا بالجراح والأثقال فتنتفض باقي الشعوب من أجله.
تعانى اليمن وليبيا وسوريا والعراق والصومال والسودان صراعات أهلية وجماعات إرهابية ترفع شعار«الدين ونصرة الأقصى»، الأمر الذي يزيد من أوجاع الجسد العربي، ويساهم في ضياع القدس والمسجد الأقصى في صراعات المصلحة.
يعاني اليمن منذ 2011 صراعا أهليا وصراعا على السلطة، بين جماعات دينية وأحزاب سياسية، وتحول منذ مارس 2015 إلى حرب بين متمردين على السلطة الشرعية والحكومة الشرعية.
وکشفت مجلة «فورين بوليسي» عن تكاليف الحرب اليمنية، والتي بلغت أكثر من 725 مليار دولار خلال الأشهر الأولى من الحرب، وحسب تقرير أممي، فقد بلغ عدد ضحايا الصراع في اليمن أكثر من عشرة آلاف قتيل، وهناك عشرات الآلاف من المصابين، بالإضافة إلى انتشار أمراض الكوليرا والجوع، وقالت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة: إن عدد الوفيات بسبب تفشي مرض الكوليرا في اليمن ارتفع إلى 1,500 حالة، وعدد الحالات المشتبه في إصابتها بلغ 246.000 إلى يوم 30 يونيو.
وبالنسبة لليبيا، فلم تكن أفضل حالا من اليمن، فهناك صراع ميليشيات دائر منذ سقوط القذافى في احتجاجات فبراير 2011، وحتى اليوم، ورغم الجهود الكبيرة والانتصارات التي يحققها الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، فإن ليبيا تصارع من أجل البقاء، وتحولت من دولة قوية في عهد القذافي إلى دولة هزيلة، وأصبح ما يقارب من نصف الليبين مهاجرين ولاجئين خارج الدولة، ومن بداخلها أسري لصراع الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية.
سوريا الدولة التي كانت سندًا قويا للقضية الفلسطينية، تعاني هي الأخرى من صراع متعدد الأوجه والأطراف، ومن احتجاجات سلمية تحولت إلى صراع دموي، شاركت فيه كل الأطراف، وخلفت أكثر من 6 ملايين نازح، و4.8 ملايين طالب لجوء، وفقا لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية»، وبلغ عدد القتلى جراء الصراع أكثر من 470 ألفا، وفقا لمنظمة«المركز السوري لبحوث السياسات» البحثية المستقلة، وقدرت تقارير دولية تكاليف الصراع السوري بأكثر من تريليون دولار، حيث كشفت دراسة أجراها مركز «فرونتيير إيكونوميكس» الأسترالي للاستشارات، ومؤسسة «ورلد فيجن» الخيرية، أن الخسائر الاقتصادية للحرب في سوريا تقدر بنحو 689 مليار دولار حتى نهاية 2016، وقد تصل إلى 1.3 تريليون دولار إذا استمرت الحرب حتى عام 2020، ليستنزف الصراع الدولة والشعب السوري، ويخرج أهم دولة من دول المواجهة للاحتلال الإسرائيلي خارج المعادلة.
العراق، منذ سقوط نظام صدام حسين على يد الاحتلال الأمريكي، يعاني من صراع مذهبي وقومي طاحن، وأدت هذه السياسات إلى توغل الجماعات المتشددة وسيطرة تنظيم «داعش» على مساحات كبيرة من البلاد، قبل أن تدفع بلاد الرافدين ثمنا باهظا من الأرواح والأموال من أجل تحرير التراب العراقي من داعش في يوليو الجاري، وقد شرّد القتال أكثر من 45 ألف عراقي منذ بداية عمليات الجيش العراقي والميليشيات العراقية ضد «داعش» في يوليو 2014 وحتى نهاية 2016، وقدرت الخسائر الاقتصادية للدولة العراقية منذ حرب تنظيم داعش في يوليو 2014 وحتى نهاية 2016 بأكثر من 300 مليار دولار، فيما قدرت خسائر القوات العراقية والحشد الشعبي والحشد العشائري والبشمركة الكردية بأكثر من 10 آلاف قتيل، وكان العراق قبل الاحتلال الأمريكي يشكل أكبر تحدٍ لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن الآن يعاني من صراع وتمزق.
السودان الدولة الغنية بمواردها تعاني أيضًا، منذ صراع أهلي في دارفور وفي الشرق ومنطقة جبال النوبة، كما تعاني أوضاعا اقتصادية صعبة وتظاهرات لا تخفت بسبب أخطاء نظام الرئيس عمر البشير، ولايزال السودان خارج المعادلة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في ظل استمرار الصراع الداخلي.
الجزائر الدولة العربية الأقوي، تعاني هي الأخرى من صراع خفي على السلطة مع الحالة الصحية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ويعاني الشارع الجزائري من تراجع الاقتصاد وغلاء المعيشة ومخاوف أمنية من الأوضاع المنفلتة في ليبيا وشمالي مالي، بالإضافة إلى التجربة العشرية السوداء التي تطل بذاكرتها في أي وقت، مع توغل الإسلاميين في الدولة الجزائرية، لتغيب الجزائر عن أزمة القدس والأقصى.
ورغم أن المغرب صاحبة مبادرة تشكيل لجنة القدس، من أجل الدفاع عن المدينة المقدسة، فإنه غاب بفعل الأوضاع الداخلية، فالشعب والحكومة مشغولان بالأوضاع الاقتصادية واحتجاجات الريف التي دخلت شهرها الثالث دون حل مرض.
لبنان إحدي دول المواجهة تعانى أيضًا من أزمة سياسية استمرت عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي، انتهت بانتخاب ميشيل عون رئيسا للبلاد في أكتوبر 2016، ثم دار جدل بين القوى السياسية حول قانون الانتخاب، وحزب الله منشغل بالحرب السورية وتحرير القدس عبر حلب وحمص وعرسال، ويكتفي فقط بشعار التضامن مع القدس والأقصى، دون تحرك حقيقي من أجل القضية العربية الأولى.
الأردن شعب وحكومة يعاني من أوضاع اقتصادية صعبة، فحدوده ملتهبة ومتوترة في الشرق مع العراق، وفي الشمال سوريا والغرب فلسطين المحتلة حيث دولة الاحتلال الإسرائيلي، ورغم خروج الشعب الأردني بمبادرات لحل الأزمة، فإن بعض التيارات السياسية لم تبادر بتحرك يذكر لتدارك الأمر في الأقصى والقدس.
مصر، منذ 2011 عانت من عدم استقرار سياسي وأمني حتى وقت قريب، ومع غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار أصبح المواطن المصري يعاني في الداخل ومنشغل بأموره الداخلية، رغم أن القاهرة هي الدولة الأهم والأكبر تاثيرا في القضية الفلسطينية، وتعد المدافع الأول عن فلسطين، لكنها مازالت تعانى تبعات الربيع العربي.
الأوضاع لم تختلف كثيرا في موريتانيا وتونس وجيبوتي وجزر القمر، التي تشهد أوضاعًا اقتصادية وتظاهرات شعبية من وقت لآخر في ظل عدم الاستقرار السياسي، ليرفع الوطن العربي شعارات «كـــــــــل يبكي على ليـــــلاه، وعذرا يا أقصى.. عذرا يا قدس».
