فتحي غانم يكتب: «مطرب الملوك والأمراء»
في مجلة صباح الخير عام 1957 كتب فتحي غانم مقالا قال فيه:
كان لقاء الشاعر الكبير أحمد شوقى بالمطرب محمد عبد الوهاب بداية التحول الحاسم في حياة عبد الوهاب.
استمع شوقى إلى عبد الوهاب في حفل أقيم بالمعهد العالى للموسيقى الشرقية بفندق سان ستيفانو بالإسكندرية عام 1925، وكان رجال المعهد والمشرفون عليه من الأعيان والأمراء والأثرياء معجبين بصوت عبد الوهاب فسمحوا له بدخول المعهد مجانا، وأعانوه في الحصول على وظيفة مدرس أناشيد بمدارس الأوقاف بالقاهرة.
أعجب شوقى بصوت عبد الوهاب وطرب منه فأقبل على تلك الموهبة ليبسط عليها حمايته، ومن حسن حظ عبد الوهاب أن راعيه لم يكن ثريا وحسب بل كان فوق ذلك شاعرا كبيرا يتمتع بذوق في الإحساس بجمال النغم.
كان لقاء شوقى وعبد الوهاب عاملا في تخلى عبد الوهاب نهائيا عن الطبقة الفقيرة التي كان يستلهم منها سيد درويش فنه، وأيضا بداية لعهد جديد يصبح فيه عبد الوهاب صاحب لقب ضخم هو مطرب الملوك والأمراء.
تدخل شوقى في كل صغيرة وكبيرة في حياة عبد الوهاب؛ فأشرف على صحته وعلى ملابسه وأناقته، تدخل في اختيار أغانيه، واندفع شوقى في هذا المجال إلى حد أنه تخلى لأول مرة في حياته عن اللغة العربية التي كان يكتب بها الشعر والنثر، وألف عدة أغنيات بالعامية منها "الليل لما خلى" و"بلبل حيران" ليغنيها عبد الوهاب.
استطاع شوقى أن يربى في المطرب نزعة الفردية، وحدث أن غضب عبد الوهاب من بعض الصحفيين بسبب حملات شنوها على ألحانه فقال له شوقى: اجمع الصحف وكومها على الأرض ثم قف عليها، وبهذا ترتفع فوق حملاتهم.
وحين غنى عبد الوهاب (قلبى بيقولى كلام وأنت بتقولى كلام) ستجد أن في هذه الأغنية قليلين هم الذين يتأثرون بهذه الأبيات على أنها عاطفية أما الكثرة فتنظر على أنها ترمز إلى هموم خاصة بهم.
إن الأغانى العاطفية لعبد الوهاب لا تمثل الحب والهجر وحدهما وإنما هي تعكس مزاج الناس وتعكس همومهم الشخصية ومتاعبهم، ومن أجل ذلك كانت ألحان هذه الأغانى فيها ضعف وشكوى وأنين حتى ولو كانت مليئة بالفرح والحماس لأن المستمع لا يأخذ المعانى المكتوبة إنما يفتنون بالكلمات والأنغام إلى رموز صغيرة تعكس الهموم والأحزان.
