باسم يوسف.. خطوة مصرية جديدة نحو الاستبداد
تأتى محاكمة الفنان الساخر باسم يوسف فى مصر، إثر مزاعم بإهانته للرئيس محمد مرسى وتشويه سمعة الإسلام، لتمثل أحدث المؤشرات على التصرف غير الديمقراطى للحكومة التى تهيمن عليها جماعة الإخوان المسلمين.
ويرجح أن تعمل هذه الخطوة على تعميق حالة انعدام الثقة لدى المعارضة غير الإسلامية فى مؤسسات الدولة السياسية والقضائية، مما يشجع تلك الجماعات على السعى للتغيير من خلال القيام بمظاهرات أكثر عنفاً بدلاً من اتباع القنوات السياسية الرسمية، وفى ضوء مصلحة واشنطن فى تعزيز الحوكمة الديمقراطية والاستقرار فى مصر ينبغى على إدارة أوباما أن تحث مرسى على العفو عن باسم يوسف وإنهاء قمع المنتقدين لجماعة الإخوان المسلمين.
إن حالة باسم يوسف ليست فريدة من نوعها، فوفقاً لـ "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، فإنه قد أقيمت دعاوى قضائية بتهمة "إهانة الرئيس" خلال المائة يوم الأولى من حكم مرسى تتجاوز أربعة أضعاف الدعاوى القضائية التى رفعت خلال عهد حسنى مبارك الذى دام ثلاثين عاماً، ورغم أن مواطنين عاديين رفعوا العديد من هذه القضايا، إلا أن الجماعة شجعتهم على ذلك من خلال تصويرها المتكرر لنقادها الإعلاميين على أنهم فلول النظام القديم.
كما أن الجماعة جعلت المحاكمات المسيسة أكثر احتمالاً فى المستقبل من خلال الضغط لتمرير مشروع قانون انتخابى جديد عن طريق البرلمان يسمح باستخدام الشعارات الدينية فى الحملات الانتخابية، وتحظر المادة 44 من الدستور الجديد الذى تمت المصادقة عليه فى ديسمبر "إهانة جميع الرسل والأنبياء أو الإساءة إليهم"، ويمكن تفسير هذه المادة بشكل واسع بأنها تحصّن الشعارات السياسية الدينية للإسلاميين ضد هجمات غير الإسلاميين.
وقد عمل مرسى والبرلمان كذلك على كبت الانتقاد الإعلامى، من خلال تعيين أحد أعضاء الإخوان المسلمين وزيراً للإعلام واستخدام سيطرتهم على الإعلام الذى تديره الدولة لطرد الكتاب والمحررين الذين يثيرون الشكوك حول السياسات الجديدة للحكومة، وتوظيف محررين جدد متعاطفين مع أيديولوجية الجماعة، وفى غضون ذلك بدأت الحكومة محاكمة رجال الأعمال الأثرياء المناهضين للإخوان، وربما تقضى بذلك على حصول منافذ المعارضة الإعلامية والأحزاب السياسية على مصادر تمويل حيوية.
وقد أكد هذا النمط من المحاكمات مخاوف المعارضة بأن مرسى يقوم بتقويض استقلال القضاء، ويعد التعيين المخالف للقوانين للنائب العام طلعت عبدالله مصدراً باعثاً على القلق بصفة خاصة، فقد استغل مرسى إعلانه الدستورى فى 22 نوفمبر الذى منح نفسه بموجبه صلاحية تنفيذية مؤقتة مطلقة تقريباً، كذريعة لاختيار عبدالله بدلاً من ترك القرار النهائى بيد "المجلس الأعلى للقضاء"، كما كان مطلوباً وفقاً للقانون المصرى فى ذلك الوقت، وفى هجوم آخر على الرقابة القضائية فى الأسبوع الماضى أعلن مكتب مرسى أنه لن يلتزم بقرار المحكمة القاضى بعدم قانونية التعيين.
إن محاكمة باسم يوسف لن تؤدى إلى شىء سوى إلى تأجيج الوضع، وقد أعلنت أحزاب المعارضة بالفعل رفضها المشاركة فى الانتخابات البرلمانية المقبلة، التى أشار مرسى إليها مؤخراً بأنها قد تؤجل إلى أكتوبر نظراً للنقص الحالى فى الضمانات الكافية لتحقيق الشفافية الانتخابية، وقد لجأ بعض المعارضين إلى العنف ضد أهداف الإخوان كوسيلة لحث الجيش على الإطاحة بمرسى، الذى ينظرون إليه على نحو متزايد بأنه غير شرعى بسبب سلوكه الديكتاتورى، كما أن الهجوم الصارخ من جانب الحكومة على حرية التعبير سوف يزيد على الأرجح من صلابة هذا الموقف ويغذى المزيد من العنف، الأمر الذى سيفاقم المصائب الاقتصادية المتزايدة التى تمر بها مصر.
وفى سبيل عكس هذا الاتجاه الخطر وتشجيع الاستقرار، حثت إدارة أوباما المعارضة غير الإسلامية على إعادة الانخراط فى العملية السياسية من خلال المشاركة فى الانتخابات القادمة، وقد كانت الإدارة محقة فى ذلك لكن طالما استخدمت حكومة مرسى العملية السياسية لتقويض استقلال القضاء وتعزيز حملة القمع التى تقوم بها، فسوف يكون هناك ما يبرر تشكك المعارضة.
لذا ينبغى على واشنطن أن تحذر مرسى علناً، وذلك لمواجهة الانطباع السائد عن دعم الولايات المتحدة للإجراءات التى تقوم بها جماعة الإخوان المسلمين من أن سياساته الاستبدادية تفاقم المناخ السياسى المتقلب فى مصر، وينبغى أن تنصحه أيضاً بعيداً عن الملأ بأن يعمل بحزم ويغيّر اتجاهه، وذلك جزئياً من خلال العفو عن يوسف.
• نقلاً عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى
