رئيس التحرير
عصام كامل

أيمن عبد التواب يكتب: نعم الصحفيون «على راسهم ريشة».. القانون منح «الحصانة» للصحفي بـ«ضوابط».. اقتحام النقابة «فضيحة عالمية».. «الداخلية» ترد الجميل ل

نقابة الصحفيين
نقابة الصحفيين
18 حجم الخط

غضب عارم في الوسط الصحفي.. الحاملون لأسلحة «الكلمة والقلم» ينتفضون ضد «جريمة» وزارة الداخلية التي أتت بما لم يأتِ به الأوائل، وضربت بالقانون عرض الحائط حين اقتحم رجالها مبنى نقابة الصحفيين، بزعم تنفيذ قرار النيابة بضبط وإحضار «عمرو بدر، ومحمود السقا»، أثناء اعتصامهما بمقر النقابة.


الواقعة هنا لا يجوز اختصارها في زميلين صحفيين، بل يجب أن ننظر إليها بمفهوم أوسع يتعلق بالتضييق على الحريات بصورة مطردة، وانتهاك قدسية الأماكن التي نص الدستور والقانون على حمايتها وعدم الاقتراب منها إلا بضوابط مقيدة.

وإذا كان بيان الداخلية يبرر هذه الجريمة بدعوى تنفيذ قرار النيابة بضبط وإحضار الزميلين بتهمة «التظاهر»، فإن المادة 70 من قانون الصحافة تنص على: «لا يجوز تفتيش مقار نقابة الصحفيين، ونقاباتها الفرعية، أو وضع أختام عليها إلا بموافقة أحد أعضاء النيابة العامة، وبحضور نقيب الصحفيين، أو النقابة الفرعية، أو من يمثلها». كما تنص المادة 71 على: «للنقابة وللنقابات الفرعية حق الحصول على صور الأحكام الصادرة في حق الصحفي والأحكام والتحقيقات التي تجري معه بغير رسوم».. وبالتالي فإن إقدام أفراد من الداخلية على هذه الجريمة هدم لأبسط قواعد الحريات النقابية.

ووفقًا لما هو مستقر، ومعلوم بالضرورة لدى القانونيين، والقائمين على تنفيذ القانون، فإن القانون «الخاص» يقيد القانون «العام»، ولو أن كل أمر ضبط وإحضار تم بهذه الطريقة «الفجة» سنصبح أمام كارثة لا يحمد عقباها.

قد يتساءل البعض: هل الصحفيون من طينة أخرى غير باقي الشعب؟ وهل على رأسهم «ريشة»؟ والإجابة بمنتهى البساطة أن الصحفيين مثلهم مثل أي مواطن، يخضع للقانون، ويقف أمام المحاكم، ويُحبس، ويُسجن حال ارتكابه «جريمة» من الجرائم التي نص عليها القانون..

لكن القانون نفسه، وكما وضع «ريشة» على رأس القضاة، والدبلوماسيين، وأعضاء مجلس النواب، وغيرهم، وضع «الريشة» أيضًا على رأس الصحفيين فيما يتعلق بـ«النشر وحرية التعبير» فقط.

إن المُشرِّعُ كان حصيفًا حينما منح الصحفيين «حصانة»؛ تقديرًا لمهنتهم السامية، وإيمانًا منه بدورهم في «كشف الفساد»، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وأنهم صوت المستضعفين، وهمزة الوصل بين المواطن والحكومة.. كما أنه رأى أنهم لا يقلون أهمية عن الجنود الذين يقاتلون على الجبهة، خاصة وأن التاريخ الإنساني مليء بنماذج لزملاء استشهدوا في سبيل الوصول إلى الحقيقة ووضعها أمام الشعب.

إذن «ريشة» الصحفيين، أو الحصانة التي كفلها لهم القانون والدستور، إنما جاءت تقديرًا لدورهم في كشف الفاسدين، والمنحرفين، واحترامًا لدورهم في قيادة وتوجيه الرأي العام لأداء واجب معين، أو لهداية صانع القرار لما فيه الصواب؛ لذا فلا ينبغي أن تمر هذه «الفضيحة العالمية» دون محاسبة كل المسئولين المتورطين فيها.

لقد لعب الصحفيون والإعلاميون دورًا لا يمكن إنكاره في إعادة «بناء الثقة» بين «الشرطة والشعب»، بعد انهيار وزارة الداخلية في أعقاب جمعة الغضب يوم 28 يناير 2011، حينما اضطر ضباط وأفراد الشرطة إلى «خلع الميري»؛ ليأمنوا غضب الثائرين ضدهم، بسبب جرائمهم في أقسام الشرطة والسجون أيام حبيب العادلي ونظام مبارك.. فهل تناست الداخلية هذا الدور، وتريد رد الجميل لأبناء صاحبة الجلالة؟!

لقد حذرنا مرارًا وتكرارًا من المتآمرين ضد الدولة، وقلنا إن أخطر المؤامرات هي التي تحاك من رجال النظام نفسه، سواء بقصد أو عن جهل، فهؤلاء هم أخطر شوكة في ظهر أي نظام، ويُعجلون برحيله أسرع من المؤامرات التي تُحاك ضده في الخارج.. كما أن أخطر المتآمرين هم الذين يجلعونا نترحم على عهد ديكتاتوري سابق، ونُحِنُ إلى أيام القمع الوسطي الجميل في زمن حبيب العادلي، بعد أن رأينا القمع المتطرف في خلافة مجدي عبد الغفار.


ما نؤمن به، وما يؤكده التاريخ دومًا أن الغلبة في النهاية لـ«الكلمة» لا «السلاح»، لـ«العقل» لا «الحماقة»، لـ«الحرية» لا «البطش»، لـ«دولة القانون» لا «شريعة الغاب».
الجريدة الرسمية