رئيس التحرير
عصام كامل

أيمن عبد التواب يكتب: المسكوت عنه في خطاب «السيسي».. الرئيس قدم مبررات لإقناعنا بـ«سعودية تيران وصنافير».. اتهم «المتآمرين» بتأليب الرأي العام.. ولم يتطرق إلى المتسبب في

الرئيس عبد الفتاح
الرئيس عبد الفتاح السيسي
18 حجم الخط

حالة غضب تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي. غليان شعبي، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الفوران. انقسامات في صفوف المجتمع، لم يشهدها منذ ثورة «30 يونيو». تراجع في شعبية «السيسي» منذ توليه المسئولية، وسط اتهامات له بـ«الخيانة»، والتفريط في تراب الوطن، والسيادة المصرية على جزيرتي «تيران وصنافير»، وتسليمهما إلى السعودية، خلال زيارة الملك سلمان إلى القاهرة، بزعم «رد الحقوق إلى أصحابها».


وسط كل هذه الأجواء المشحونة، وبعد نحو أسبوع من توقيع «اتفاقية التسليم»، خرج الرئيس عن صمته، الأربعاء، وقرر مخاطبة الشعب «تليفزيونيًا»، وأمام مجموعة من الإعلاميين، والنواب المروجين لـ«اتفاقية العار»؛ محاولًا تبرير «احتلال مصر لهاتين الجزيرتين قرابة عقود سبعة»، كما ادعى- لا سامحه الله- المتحدث باسم وزارة الخارجية «المصرية» وآخرون!

السيسي ارتجل- كعادته- مستهلًا خطابه بـ«وصية أمه التي ربَّته على عدم النظر إلى ما في أيدي الآخرين، وتسليم الحقوق إلى أصحابها»، رحم الله والدة الرئيس. لكن الربط بين ما قالته أمه، وتسليم الجزيرتين، «غير موفق»، وأعتقد لو أن والدة السيسي كانت حية ترزق، وأخبرها ابنها الرئيس بالدماء المصرية التي سالت على هاتين الجزيرتين، ما كنت أظنها ستوافق على تسليم الجزيرتين للمملكة.

«لو بتحبوا مصر، اسمعوا كلامي أنا بس، ومتسمعوش كلام حد تاني»، قالها السيسي للشعب، خلال حضوره حفل إطلاق إستراتيجية مصر للتنمية المستدامة «رؤية مصر 2030»، ويبدو أنه أراد أن يكرس لهذه النظرية، بكل ما تحمله من معانٍ، في خطابه اليوم، بدليل أنه تسبب في إحراج نائب الشرقية، محمد كلوب، عندما أراد الأخير التعقيب على كلمة الرئيس، فسرعان ما أوقفه السيسي، قائلًا: «أنا مادتش إذن لحد يتكلم»، وعندها قُطِع البث المباشر.. ولم يكتف بذلك، بل طالبنا بعدم التطرق إلى قضية الجزيرتين مرة أخرى!

هل ثمة علاقة بين ما يفعله السيسي، وما حكاه القرآن الكريم عن فرعون عندما «استخف» قومه قائلًا لهم: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ»؟!

كنا نأمل أن يتطرق خطاب الرئيس إلى بداية المفاوضات بين مصر والسعودية لاسترداد هاتين الجزيرتين، لكنه لم يفعل.. كنا نطمع في معرفة أسماء لجنة التفاوض من الجانب المصري، وما هي خبراتهم، والأسس التي استندوا إليها، لكنه لم يفعل.. كنا نربأ به ألا يتهم الإعلام بإثارة الرأي العام، متهمًا إياه بعدم نشر الحقائق، لكن- للأسف- فعلها، رغم أن معظم الإعلاميين يسبحون بحمد الرئيس، ويتطوعون للدفاع عنه.

خطاب الرئيس- من وجهة نظري على الأقل- افتقد المبررات القوية، والحجج المنطقة في إقناعنا بأن «تيران وصنافير» سعوديتان خالصتان أبًا عن جد.. ولم يغير موقفي من هاتين الجزيرتين «المصريتين»؛ وفقًا لشهادة مؤرخين، وقانونيين، وعسكريين مشهود لهم بالنزاهة والوطنية، وغير محسوبين على «المتآمرين»، أو أعداء الوطن الذين ألمح إليهم السيسي، وكأنه أراد أن يؤلب الرأي العام على مَنْ يعارض سياساته، ويختلف معه في الرأي بشأن قضية خطيرة كتلك.

الأخطر في خطاب الرئيس اليوم، هو نبرة «السخرية» من المؤكدين أحقية مصر بهاتين الجزيرتين، و«التهديد، والوعيد» للمعارضة.. وكأننا أمام مشهد «محمد مرسي» وهو يتحدث عن «الصوابع إللي بتلعب في مصر»!

الحقيقة الوحيدة التي لم يذكرها الرئيس أن إدارته كانت ومازالت السبب في كل ما وصلنا إليه الآن من غضب، وانقسام، وتمرد على الأوضاع.. تلك الإدارة التي أخفتْ علينا حقيقة ما يحدث بشأن «سد النهضة»، وجدوى المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ، والوضع الحقيقي لما يحدث في سيناء، وأسباب أزمة الدولار، وحقيقة مقتل المواطن الإيطالي «ريجيني»!

سيادة الرئيس.. لستَ وحدك مَنْ تحكم البلد.. فهناك عقد بيننا وبينك، واخترناك لرعاية مصالحنا، وصيانة حقوقنا، والدفاع عن أرضنا.. فإن كنتَ ترى أنك وحدك تملك الحقيقة، فأنت مخطئ، وإن كنتَ ترى أنك تعلم أشياءً لا نعلمها نحن، فتلك خطيئتك.. أما إذا كنتَ ترى أننا لا نستحق أن نعلم الحقيقة كاملة، وما يدور في الكواليس، فتلك خطيئتنا نحن؛ لأننا ظننا أنك تختلف عن سابقيك!
الجريدة الرسمية