أنيس منصور يكتب: الأرض الضيقة
نشرت مجلة الجيل الجديد عام 1955 مقالا كتبه رئيس التحرير أنيس منصور يقول فيه:
رأيتها أمس في شارع سليمان باشا.. أنها راقصة مصرية معروفة، ولاحظت أنها تكاد تتساقط وهى تسير على الرصيف كأنها تمشى فوق حبل مشدود.
تذكرت أيام كنت أذهب إلى الكبارية الذي كانت ترقص فيه منذ سنوات.. كنت حديث التخرج من الجامعة.. تلميذ جاء من المنصورة ولم ير دنيا الليل من قبل.
كنت أجلس في الكباريه في الصف الأول وأنتظرها حتى تظهر على المسرح وسط الموسيقى الصاخبة والأضواء الحمراء والخضراء تنصب على جسدها الأملس وقد التفت حولها الأفاعى.
تحول همس المخيف إلى آهات خرساء.. هكذا كنت أراها، أما أمس فقد رأيتها تتمايل يمينًا وشمالًا ثم تتساند على كف صديق لها.
لقد تعلمت أن تقوم بحركات غير عادية في بقعة ضيقة من الأرض ولكنها لم تتعلم أن تمشى في الشارع.. أنها عاشت في عالم بلا شمس وبلا ضياء، عاشت في الظلام بين المناضد وأقامت مجدها كله على قطعة ضيقة من الأرض فلما طلع النهار واختفى الجمهور واتسعت الأرض عليها تعثرت وتساندت على أكتاف الآخرين.
كلنا مثلها.. فأنت لك قطعة من الأرض نعيش منها.. هذه القطعة هي مكان العمل أو المقهى أو البيت.. وتشعر فيها أنك المالك الحقيقى.. فإذا خرجت فيها أحسست بالغربة.
لى صديق من العلماء.. أضاع الكثير من ماله ووفته وشبابه وراحته في القراءة والتجارب فهو متخصص في تربية النحل.. أنه يعرف طباع وحياة النحل في أي مكان في العالم ويعرف أن أنثى النحل مثل المرأة تمامًا لا تثبت على حال.. هذا الرجل هربت منه زوجته وراء موظف في السكة الحديد.. حب قديم - هذا الزوج درس طباع النحل ولكنه لم ينجح في أن يوفق بينه وبين زوجته.. أنه عالم في بقعة ضيقة من الأرض في مزرعة النحل.. أهله وعشيرته.
هناك قصة زميلين كانت حياتهما شعر وموسيقى وقد رافقت حبهما منذ اللحظة الأولى وأصبح الرجل محاميًا ناجحًا.. ولكن لم يدم زواجه من حبيبته أكثر من شهرين.. لماذا لأنه أحبها في الكلية.. كان حريصًا على أن يقوم بدور البطل في منقطة ضيقة من الأرض هي الكلية حتى فاز بالفتاة وانتقلت الفتاة من الكلية إلى البيت وانتقل هو إلى المحكمة والمكتب.
