مكرم عبيد.. الديانة "مسيحي".. والجنسية "مسلم"
>> استشعروا فيه صفات النبوة.. والوقيعة بينه وبين النحاس أدخلته "الزنزانة"
أول من وضع فكرة الحد الأدنى لأجور العمال في مصر
>> قال عن "زعيم الأمة": ليس في الأمة من يمكنه أن يقول "أنا الأمة" إلا سعد
وليم مكرم عبيد.. هكذا عرف بين أصدقائه في "قنـا" حتى وقت قريب من ثورة 1919، إلا أنه شطب اسم وليم بسبب موقفه المناهض للاستعمار البريطانى، حقيقة لم يكن موقف شطب الاسم هو الدليل القاطع على وطنية الرجل وعشقه تراب وطنه، حيث ترك لنا موروثًا من الأدعية والخطب كلها تشعرنا بأننا أمام مصري نشأ على نبذ التعصب الديني.
الباشا الوزير في إحدى الخطب التي ألقاها بعد انضمامه لحزب الوفد قال أمام مئات من المصريين: "إن مصر ليس وطنًا نعيش فيه بل وطنٌ يعيش فينا ونحن مسلمون وطنًا ونصارى دينًا، اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك، وللوطن أنصارًا، اللهم اجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين".
هكذا استطاع على مدى رحلته في عالم السياسة أن يحتفظ لنفسه بلقب "فارس الوحدة الوطنية" لما ضربه من أمثلة تخلى فيها عن التعصب للدين مقابل التعصب للوطن، حتى استطاع أن يحفر لنفسه في وجدان المصريين مكانًا لم يستطع أن يصل إليه أحد، خاصة قبل عودته لمنصب وزير المالية.
وهنا لنا وقفة أمام هذا الموقف الذي جعل بعض المؤرخين يستشعرون في مكرم عبيد صفات النبي المخلص صاحب الرسالة، ففى نهاية العشرينيات من القرن الماضى شكل مصطفى باشا النحاس وزارته وعُيّن مكرم عبيد وزيرًا للمواصلات، وفي عام 1935 أصبح سكرتير عام لحزب الوفد، فكان من أبرز أعضاء الحزب والجبهة الوطنية شعبية لدى الشعب، وبعد معاهدة 1936 عُين مكرم عبيد وزيرًا للمالية، وشارك في الوزارات الثلاث التي تشكلت برئاسة كل من أحمد ماهر والنقراشي في عام 1946، في هذا الوقت حبس مكرم عبيد وفى محبسه أراد الرجل أن يتصالح مع ذاته رغم أنه لم يزج بنفسه في شبهات تقوده للسجن فقال دعاءه الشهير: "اللهم سبحانك فيما ارتضيت، وفيما أرضيت، فقد هيأت لى من يذكرنى عند ربى، فجعلنى على خزائن الأرض أمينًا، بعد أن كنت في زاوية من زوايا الأرض سجينا".
يعتبر مكرم عبيد شخصية متميزة في سجل التاريخ المصري، حيث كان يتعامل بوصفه المصرى الذي تجسدت أفكاره الوطنية في مقولات اكتسبت زخمًا تاريخيًا ويرددها المصريون في أوقات الشدة التي تطل فيها أشباح الفتنة برءوسها، وهو نموذج السياسي الذي يتمنى المصريون حاليًا أن يعود مرة أخرى في ظل الحالة الحالية من تغليب المصالح الشخصية على حساب المصلحة الوطنية.
فهو وزير مالية مصر وأبرز خطيب سياسي في العصر الحديث، والمحامى الضليع الذي دافع عن قضايا الشعب المصرى بالفصاحة والبلاغة والنزاهة والصلابة في جميع مواقفه السياسية، حيث ولد في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر عام 1889 بـ"قنــا"، لعائلة من أشهر العائلات القبطية وأثراها، حيث التحق بالمدرسة الأمريكية في أسيوط درس القانون في أكسفورد، وحصل على درجة امتياز في القانون عام 1908، واستكمل دراسته القانونية في ليون بفرنسا وحصل على ما يعادل الدكتوراه في عام 1912.
شغل مكرم عبيد منصب سكرتير جريدة الوقائع المصرية بوزارة الحقانية في عام 1912، كما اختير سكرتيرًا خاصًا للمستشار القانونى الإنجليزى خلال مدة الحرب العالمية الأولى، ولكنه لم يبق كثيرًا في هذا المنصب، حيث استغنى عنه بسبب كتابته مذكرة معارضة للمستشار الإنجليزى شارحًا فيها صعوبة التوفيق بين منصبه الحكومى وشعوره الوطنى، وأبهرت تلك المذكرة المستشار البريطانى، وتضمنت مطالب الأمة المصرية وحقوقها ضد الاحتلال، ثم عُين بعد ذلك أستاذًا بمدرسة الحقوق لعامين كاملين وفى عام 1919 انضم إلى حزب الوفد وعمل في مجال الترجمة والدعاية في الخارج ضد الاحتلال الإنجليزى حتى إن الجريدة الناطقة بلسان حزب الوفد أطلقت عليه لقب "الخطيب المفوه".
علاقته بزعيم الأمة سعد زغلول من أهم مراحل حياته، حيث أصبح الناطق بلسانه إلى حد أنه عرف بــ"ابن سعد" خاصة بعدما نفى سعد زغلول إلى جزيرة سيشل، حيث ثار مكرم عبيد وقام بإلقاء الخطب والمقالات، مما تسبب في القبض عليه ونفيه هو الآخر، حتى أنه قال في إحدى خطبه: "ليس في الأمة من يمكنه أن يقول أنا الأمة إلا سعد، ومهما يكن من الأمر فسعد هو سعد فاوض أو لم يفاوض"، وأيضًا في ذكرى الزعيم: "إنه لم يتخذ أي منا من ذكراه عبرة فيجاهد في سبيل وطنه كان هو الحي الميت وحق لى أن أقول: أيها الميت الحى، أنت سعد! أيها الحى الميت.. أنت عبد!"
عندما توفي سعد أصبح مكرم عبيد باشا سكرتيرًا لحزب الوفد، بينما أصبح مصطفى النحاس رئيس الذي عين عبيد وزيرًا للمواصلات في وزارته التي شكلها بعد وفاة سعد باشا، ثم عين وزيرًا للمالية ومنح لقب الباشاوية بعد معاهدة 1936، كما أنه شارك في الوزارات الثلاث التي تشكلت برئاسة كل من أحمد ماهر والنقراشى في عام 1946.
كان لعبيد العديد من الآثار الإيجابية أثناء توليه وزارة المالية، حيث يعتبر هو صاحب فكرة النقابات العمالية وتكوينها كذلك فإنه أول من وضع فكرة "الحد الأدنى لأجور العمال في مصر"، وتوازن الأجور مع الأسعار، كما أنه عمل على توفير العلاج الطبى والتأمين الاجتماعى للعمال، وترتب على ذلك إنصاف العمال والموظفين والطبقات الكادحة، وبالإضافة إلى ذلك فإنها يعتبر واضع نظام التسليف العقارى الوطنى وفكرة الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية للدخل، كما كان يقرن معنى الوطنية بتمصير ملكية الأراضي الزراعية ونزعها من الأجانب.
وعلى الجانب السياسي اقترح عدة مبادئ أساسية يقوم عليها حكم البلاد من بينها إلغاء كل القيود على الحريات الأولية، كحرية الرأى والصحافة والاجتماع وذكر القيد الوارد على الحريات في دستور 1930 رافضًا عبارة "إلا إذا كان ذلك ضروريًا لوقاية النظام الاجتماعى"، والتي وصفها بالعبارة المطاطة التي تفسح لأى حاكم مستبد المجال للعبث بالحريات المقدسة، وكذلك أوجب إلغاء القيد على حرية الصحافة بنفس الدستور في عبارة "في حدود القانون" والتي وردت بالمادة 15، حيث قال إن القانون قد لا يكون في حدود الدستور وأيضًا فإنها تحدث عن وجوب إلغاء الحبس الاحتياطي في جرائم الرأى، وحظر إقالة الوزارة إلا إذا سحب البرلمان الثقة منها، وحظر إعلان الأحكام العرفية، فلا يجوز إعلانها إلا إذا اشتبكت البلاد في حرب فعلية داخل حدودها.
لم تمض حياة مكرم عبيد على وتيرة التفاهم والتصالح، حيث وقع في عام 1942 أكبر خلاف له مع رئيس الوفد مصطفى باشا النحاس، وهو الخلاف الذي كان سببه الرئيسي "زينب هانم"، زوجة النحاس، والتي أرادت إزاحة مكرم حتى يمكن تجهيز فؤاد باشا سراج الدين لخلافة النحاس، على الرغم من أن الفضل يعود إلى مكرم عبيد في ضم سراج الدين لحزب "الوفد" هو الخلاف الذي أدى إلى انشقاق عبيد عن الوفد وتشكيله "الكتلة الوفدية" التي أصدر لها جريدة خاصة، حيث شاركت فى الوزارات التي تشكلت برئاسة أحمد ماهر والنقراشى عام 1946.
لم يكتف عبيد بذلك فحسب وإنما استغل عمله كوزير للمالية في وزارة الوفد لرصد الكثير من التصرفات المدعمة بالوثائق التي تتهم النحاس بالفساد وأخذ الرشاوى من الناس وعدم مراعاة مصالح الشعب ودونها في عريضة بأحوال البلد رفعها إلى الملك وعرفت هذه العريضة لاحقًا بــ"الكتاب الأسود"، والذي روي فيه مشاهداته في حزب الوفد، وما اعتبره وقتها من الفضائح والمصائب، وقدمها كاستجواب لمجلس النواب ظل يعرضه لمدة ثلاثة أيام، إلا أن حسن ياسين كان قد تقدم باقتراح لإسقاط عضوية مكرم باشا من مجلس النواب، حيث قال إن هذا الرجل الذي كان سكرتيرًا للوفد وصديقًا لمصطفى النحاس وابنًا لسعد زغلول لم يعد جديرًا بشرف النيابة، وتم التصويت في الجلسة نفسها، بالرغم من أن فكرى أباظة طلب إحالة الموضوع للجنة الشئون الداخلية في المجلس، رفض طلبه، وفصل مكرم عبيد من مجلس النواب، وأغلق باب المناقشة في الاستجواب.
وبعد عدة أسابيع وأثناء الحرب العالمية الثانية أصدر مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، أمرًا عسكريًا باعتقال مكرم عبيد باشا، وبالفعل تم اعتقاله بمقتضى الأحكام العرفية وأودع السجن.
وقد وجه الكتاب الأسود الاتهام إلى النحاس باشا بثلاثين واقعة منها بيع منزل كان استأجره بالإسكندرية بمبلغ ٥٠٠ جنيه وشراؤه ٨٠ فدانًا من فؤاد سراج الدين وزير داخليته باسم حرمه بثمن أقل من الثمن الحقيقى.. هذا إلى جانب شراء النحاس سيارة موديل كوتسيكا بمبلغ ١٥٠٠ جنيه، في حين أنها كانت معروضة بـ٣٠٠٠ جنيه، ونشر الموضوع بأكمله في جريدة الأهرام يوم ٢٤ مايو ١٩٤٣.
كما يذكر المؤرخ د. يونان لبيب رزق، في كتابه "الوفد والكتاب الأسود" كيف استشرى الفساد والمحسوبية وتفشى الوساطة والرشوة والتلاعب في تعيين العمد والمشايخ، وتعطيل الأحكام القضائية والتهريب والتدخل في صفقات التموين في السوق السوداء إلى جانب وقائع استغلال شخصي لرئيس الوفد، منها قيام السفارة المصرية بلندن بشراء معطف فراء لقرينة رئيس حزب الوفد، وكذلك قبعات للرأس وفصل مئات الموظفين صنفهم الوفد أنصارًا لخصومه مع تعيين آخرين موالين لهم من رجال الوفد.
وبالإضافة إلى ذلك استطاع مكرم عبيد باشا أن يكون علاقة خاصة الشكل مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث كان الرجل الوحيد الذي شارك في جنازة مؤسس الإخوان الشيخ حسن البنا، حيث منع "البوليس السياسي" في هذا الوقت أن يقترب أي رجل من منزل البنا وإلا تعرض للاعتقال باستثناء مكرم عبيد نظرًا لمنصبه الحكومي.
بعد ثلاث سنوات من رحيل البنا طلبت مجلة الدعوة -التي أسسها بعض أعضاء جماعة الإخوان- من عبيد أن يكتب مقالًا بسيطًا عنه وهي المقالة التي كتب فيها عبيد "فإذا كنتم أيها الإخوان المسلمون، قد فقدتم الحاكم الأكبر، الخالد الذكر، فحسبكم أن تذكروا أن هذا الرجل الذي أسلم وجهه لله حنيفًا، قد أسلم روحه للوطن عفيفًا، حسبكم أن تذكروه حيًّا في مجده، كلما ذكرتموه ميتًا في لحده... ما من شك أن فضيلة الشيخ حسن البنا هو حى لدينا جميعًا في ذكراه، بل كيف لا يحيا ويخلد في حياته رجل استوحى في الدين هدى ربه، ففى ذكره حياة له ولكم، ومن ذا الذي يقول بهذا هو مكرم عبيد صديقه المسيحى الذي عرف في أخيه المسلم الكريم الصدق والصداقة معًا، ولئن ذكرت فكيف لا أذكر كم تزاورنا وتآزرنا إبان حياته، ولئن شهدت فكيف لا أشهد بفضله بعد مماته، وما هي إلا شهادة صدق أُشْهد عليها ربى؛ إذ ينطق بها لسانى من وحى قلبى".
ويضيف: "أي نعم، فأنتم إخوانى أيها الإخوان المسلمون أنتم إخوانى وطنًا وجنسًا، بل إخوانى نفسًا وحسًا، بل أنتم لى إخوان ما أقربكم إخوانًا؛ لأنكم في الوطنية إخوانى إيمانًا، ولما كانت الوطنية من الإيمان فنحن إذن إخوان في الله الواحد المنان".
وفى 5 يونيو 1961 رحل الزعيم مكرم عبيد فارس الوحدة الوطنية الذي تتجسد حاجتنا إليه الآن، وقد شارك أنور السادات نيابة عن الرئيس جمال عبدالناصر في تأبينه بالكنيسة المرقسية بالأزبكية، مشيدًا بالنضال الوطنى لمكرم عبيد من أجل الاستقلال.
