رئيس التحرير
عصام كامل

ميار عثمان.. الريف الذي يختزن المستقبل

18 حجم الخط

كانت دموع ميار محمد رجب عثمان وهي تلتف بعلم مصر فوق منصة التتويج أفصح من أي خطاب. لم تكن دموع طفلة فازت بجائزة كبيرة فحسب، بل كانت فرحة مدينة صغيرة في أقصى شمال دلتا مصر، واعتزاز مدرسة ابتدائية في برج البرلس استطاعت بإمكاناتها المحدودة أن تدفع بإحدى بناتها إلى صدارة مشهد ثقافي عربي واسع.

 

ميار، ذات الأحد عشر عامًا، قرأت أكثر من 70 كتابًا في مجالات الأدب والعلم والتراجم والسير والأخلاق. لم تتعامل مع الكتب بوصفها أرقامًا مطلوبة لاستكمال شروط المسابقة؛ فهمت ما قرأت، ولخصته، واستخرجت أفكاره، ثم وقفت تتحدث بلغة عربية واضحة وسليمة، بثقة وحضور وسرعة بديهة، حتى حصدت لقب الدورة العاشرة من تحدي القراءة العربي. وجاء فوزها في دورة شارك في تصفياتها أكثر من 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة، يمثلون أكثر من 138 ألفًا مدرسة.

التكريم المستحق والسؤال المؤجل

كان طبيعيًا أن تستقبل مصر ميار بالفرح، وأن يكرمها الرئيس عبد الفتاح السيسي ويمنحها نوط الامتياز من الطبقة الثانية. كما أعلنت وزارتا التعليم والثقافة مسارًا لرعاية موهبتها، وإهداء مكتبة كاملة إلى مدرستها، واختيارها سفيرة للقراءة في الدورة الثامنة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب. كل ذلك تكريم مستحق لميار وأسرتها ومدرستها ومعلميها، ورسالة تشجيع مهمة إلى أطفال مصر.

 

لكن الفرحة تضع أمامنا سؤالًا لا ينبغي أن يضيع وسط الاحتفال: لماذا ننتظر وصول موهبة مصرية إلى منصة خارج الحدود حتى نمنحها الضوء الذي تستحقه؟ وكم ميار أخرى تعيش في قرية بعيدة أو مدينة صغيرة في الدلتا أو الصعيد، تقرأ وتكتب وتبدع، ثم تتوقف رحلتها لأن أحدًا لم يكتشفها، أو لأن أسرتها لا تملك الوسائل التي تحملها إلى حيث توجد الفرص؟

الريف ليس هامشًا

تنتمي ميار إلى مدينة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ. وهي مدينة صغيرة بعيدة عن العاصمة، تحيط بها بيئة ريفية لا تحظى عادة بالنصيب نفسه من الخدمات والأنشطة الثقافية والتغطية الإعلامية التي تتركز في القاهرة والمدن الكبرى. ومع ذلك خرجت منها طفلة نافست ملايين الطلاب، وخرج من المحافظة نفسها إنجاز آخر في الدورة ذاتها، حين حصلت مدرسة الشهيد محمود المغربي الابتدائية على المركز الثاني عربيًا في فئة المدرسة المتميزة.

 

والريف هنا ليس هامشًا سكانيًا يمكن تأجيل الاهتمام به؛ فنحو 57 في المئة من المصريين يعيشون في المناطق الريفية، وفق بيانات تنشرها منظمة الأمم المتحدة للطفولة عن مصر. معنى ذلك أن اختلال توزيع الخدمات الثقافية والتعليمية لا يمس أقلية بعيدة، بل يطال أغلبية السكان. كما أن المسألة لا تخص قرى الصعيد وحدها، على قسوة ما تعانيه من فجوات، وإنما تمتد إلى مدن وقرى الدلتا التي تبدو قريبة من القاهرة على الخريطة، وتظل بعيدة عن كثير من دوائر القرار والضوء.

 

من الطبيعي أن تستحوذ العاصمة على جانب معتبر من المؤسسات والفعاليات، لكنها حين تصبح الطريق شبه الوحيد إلى الاعتراف والفرصة، تتشكل دائرة مغلقة: يذهب التمويل إلى المكان الأكثر ظهورًا، ويزداد ظهوره لأنه يحصل على التمويل، فيما يُطلب من ابن القرية أو المدينة الصغيرة أن يبذل جهدًا مضاعفًا ليصل إلى نقطة البداية نفسها. لذلك فإن العدالة الثقافية والتعليمية ليست منحة للأطراف، بل تصحيح لاختلال يحرم مصر من طاقات أبنائها.

 

هذا التزامن ينفي أن يكون فوز ميار مصادفة فردية معزولة. هناك أسر تؤمن بالتعليم، ومعلمون يكتشفون المواهب، ومدارس تحاول أن تصنع من القليل المتاح فرصة كبيرة. والدة ميار معلمة للغة العربية، ووالدها من دارسي اللغة العربية ويعمل مدرسًا في الكويت، وقد احتضنت الأسرة شغف ابنتها بالقراءة. وفي المدرسة التقطت مسؤولة النشاط سلامة لغتها وقدرتها على التعبير، فبدأ الطريق من مكتبة مدرسة ابتدائية، لا من واحدة من المؤسسات الثقافية الكبرى في العاصمة.

 

الريف المصري لا يفتقر إلى الموهبة أو الذكاء أو الرغبة في التعلم، لكنه لا يحظى بالاهتمام الواجب. الفارق الحقيقي يكمن في الفرص: مكتبة صالحة، ومعلم يجد وقتًا لاكتشاف تلاميذه، ونشاط مدرسي لا يُعامل بوصفه ترفًا، ووسيلة انتقال إلى المسابقات، ومنبر إعلامي يرى ما يحدث بعيدًا عن الاستوديوهات المركزية.

 

وتكشف نتائج التقييم الوطني للصف السابع لعام 2024 جانبًا من هذه الفجوة؛ فقد تفوق طلاب مدارس الحضر على طلاب مدارس الريف في المستويات الأعلى للغة العربية والرياضيات. ففي اللغة العربية، بلغت نسبة من وصلوا إلى مستوى «كفء» 24.8 في المئة في الحضر، مقابل 17.7 في المئة في الريف، وبلغت نسبة المستوى «المتقدم» 8.4 في المئة في الحضر، مقابل 5.4 في المئة في الريف. لا تقول هذه الأرقام إن أبناء المدن أذكى؛ إنها تقول إن البيئة التعليمية والفرص المتاحة ليست متساوية.

فائزات غادرن دائرة الضوء

حين تحدثت مع ابنتي رنيم عن فوز ميار، أخبرتني أنها، خلال عملها في قناة «دي إم سي» قبل نحو خمس سنوات، غطت وقائع المسابقة والتقت بعض الفتيات اللاتي حققن مراكز متقدمة على مستوى مصر، لكنهن لم يصلن إلى التصفيات النهائية في دبي. انتهت المسابقة، وعادت كل منهن إلى مدرستها ومدينتها، من دون أن تحظى بما تستحقه من اهتمام ومتابعة.

 

تلك الشهادة الصغيرة تكشف خللًا أوسع في أولويات الإعلام. فنحن نحتفي غالبًا بالفائز الأول، ولا سيما حين يأتي التتويج من خارج الحدود، ثم نغادر المكان سريعًا بحثًا عن حدث جديد. أما من جاءوا في المراكز التالية، ومن وصلوا إلى التصفيات المحلية بعد جهد شاق، فتبتلعهم العتمة، مع أنهم يمثلون رصيدًا ثقافيًا وتعليميًا جديرًا بالرعاية.

 

ليس مطلوبًا من الإعلام أن يصنع من كل مسابقة مهرجانًا، لكن من واجبه أن يوسع خريطته خارج القاهرة، وأن يتعامل مع المواهب المحلية باعتبارها شأنًا وطنيًا. كثير من أخبار المحافظات لا تصل إلى الشاشات الكبرى إلا حين تقع أزمة أو حادث، بينما تظل قصص النجاح حبيسة الصفحات المحلية. وهكذا يُترك أبناء المدن الصغيرة والقرى أمام رسالة قاسية: لكي يراكم المركز، عليكم أولًا أن تفوزوا خارجه.

من الاحتفال إلى السياسة

قيمة قصة ميار أنها تتيح لنا الانتقال من التصفيق إلى السؤال عن السياسة العامة. نحن في حاجة إلى خريطة سنوية للمواهب في كل إدارة تعليمية، وإلى متابعة العشرة الأوائل في المسابقات الثقافية والعلمية، لا الفائز الأول وحده. ونحتاج إلى إعادة الاعتبار لمكتبات المدارس وإخصائييها، وتوفير الكتب الحديثة في القرى والمناطق النائية، وربط المدارس بقصور الثقافة والمكتبات العامة والجامعات القريبة.

 

كما ينبغي أن تتبنى وسائل الإعلام برامج ومساحات منتظمة لمواهب المحافظات، وأن تتابع الفائزين بعد انتهاء مراسم التكريم: ماذا قرأوا بعد عام؟ ما الذي كتبوه؟ وما العوائق التي واجهتهم؟ فالرعاية ليست صورة تذكارية، وإنما طريق يمتد من لحظة الاكتشاف إلى بناء الشخصية والخبرة وإتاحة الفرصة.

 

وما أعلنته وزارتا التعليم والثقافة بشأن إهداء مكتبة إلى مدرسة ميار، ووضع مسار دائم لرعاية موهبتها، خطوة تستحق التقدير. والأهم أن تتحول من استجابة لفوز استثنائي إلى قاعدة عامة تشمل الموهوبين في مدارس الريف والصعيد والمدن الحدودية. فالدولة التي تريد بناء الإنسان لا تنتظر شهادة الفوز كي تبدأ الرعاية؛ إنها تبحث عن الموهبة في مكانها، وتزيل ما يعوقها قبل أن تنطفئ.

آلاف ينتظرون من يراهم

ميار ليست معجزة نادرة في ريف مصر، والأرجح أن في قرانا ومدننا الصغيرة آلاف الأطفال الذين يملكون قدرًا مماثلًا من الذكاء والشغف، لكن المسافة بينهم وبين الفرصة أطول. بعضهم لا يجد كتابًا، وبعضهم لا يجد معلمًا متفرغًا لاكتشافه، وبعضهم تهزمه كلفة الانتقال أو ضيق حال الأسرة، وبعضهم يحقق مركزًا متقدمًا ثم يعود إلى الظل لأن الكاميرا لا تتبعه.

 

إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بعد تتويج الأبطال، بل يبدأ في المدرسة التي صنعتهم. يبدأ من مكتبة مفتوحة، ومعلم يحظى بالتقدير، ونشاط ثقافي له مكان في اليوم الدراسي، وإعلام يعيد توزيع الضوء بعدالة، ومؤسسات ترى في أطفال الأطراف مستقبلًا للوطن، لا مجرد نماذج جميلة نستدعيها في المناسبات.

تحية لميار محمد عثمان، ولأمها وأبيها ومعلميها ومدرستها، ولكل من أمسك بيدها حتى وصلت إلى منصة التتويج. لكن التحية الأصدق لها أن نجعل نجاحها بداية لاكتشاف غيرها. فميار لم تأت من الهامش؛ نحن الذين وضعنا الريف بعيدًا عن مركز اهتمامنا، مع أنه ما زال يختزن جانبًا كبيرًا من مستقبل مصر.

الجريدة الرسمية