رئيس التحرير
عصام كامل

«عدّى النهار».. لماذا تعود أغنية الهزيمة إلى ليلنا العربي؟

18 حجم الخط

في الصباح، أترك للموسيقى مهمة إيقاظ ما لم توقظه القهوة بعد. أستمع أحيانًا إلى فيروز، وأحيانًا أخرى إلى إذاعة الأغاني، وحين أشرع في القراءة أو الكتابة أذهب إلى موسيقى «كلاسيك» التي تبث من سلطنة عُمان، لتنساب النغمات في المكان من دون أن تزاحم الأفكار.

 

لكن صباحًا بعينه، أبت الموسيقى التي اخترتها أن تستقر في وجداني؛ إذ ظلت أغنية عدّى النهار تلح عليّ منذ استيقظت، كأنها لم تأتِ من جهاز الراديو، بل صعدت من مكان بعيد في الذاكرة. استسلمت لإلحاحها، وشغلتها مرات متتالية، أردد كلماتها وأتأمل صورها، حتى وجدتني أمام السؤال: لماذا تعود أغنية اقترنت بجرح يونيو 1967 بهذه القوة؟ وهل نحن الذين نستدعيها، أم أن بعض الأغنيات تعرف وحدها متى يحين موعد عودتها؟

 

هناك كلمات تُكتب بالحبر، ثم يجف حبرها بانتهاء المناسبة؛ وكلمات تُكتب من دم القلب، فتبقى محتفظة بحرارتها مهما تعاقبت العقود. ومن هذا النوع كانت كلمات عبد الرحمن الأبنودي، التي منحها بليغ حمدي لحنًا يمزج الوجع بالكبرياء، وحملها عبد الحليم حافظ بصوت لا يصرخ في الناس، بل يدخل إلى أعماقهم.

حين قالت الأغنية ما عجزت عنه البيانات

ارتبطت «عدّى النهار» بلحظة ما بعد هزيمة يونيو 1967، وكانت أول ما غناه عبد الحليم حافظ بعد الحرب، ومن أوائل الأعمال الفنية التي واجهت الجرح كما هو، بعدما انكشف الفارق الفادح بين ما بشّرت به البيانات الرسمية وما جرى على أرض المعركة. وفي تلك اللحظة القاسية، التقت كلمات الأبنودي ولحن بليغ وصوت عبد الحليم لتصوغ وجدان وطن حائر، لا يعرف كيف يصدق ما حدث ولا كيف يبدأ تجاوزه.

 

لم تخترع الأغنية نصرًا غير موجود، ولم تستبدل الحقيقة بشعار حماسي، كما لم تستسلم للندب. اعترفت بأن النهار مضى، وأن العتمة تتقدم متخفية، وأن الطريق فقد قمره؛ لكنها، في قلب هذا الظلام، أبقت نافذة مفتوحة على الصباح.

 

كانت تلك عبقرية الأبنودي: أن يقول للناس إن ما يشعرون به حقيقي، وإن الجرح عميق، من دون أن يقنعهم بأن الهزيمة قدر نهائي. فالأمل الذي لا يعترف بالألم يتحول إلى دعاية، والألم الذي لا يرى إمكان الخلاص يتحول إلى يأس. أما «عدّى النهار» فوقفت في المنطقة الأصعب بين الاثنين: صدق الاعتراف وصلابة الرجاء.

 

وتجلت شجاعة العمل في أنه عامل الشعب بوصفه قادرًا على احتمال الحقيقة، لا كتلة ينبغي حمايتها بالأوهام. فالوطن لا تحميه الكلمات التي تخفي هزيمته، بل الكلمات التي تمنحه القدرة على مواجهتها؛ وكان السماح للفن بأن يقول الحقيقة خطوة أولى في استعادة الثقة بعد انهيارها.

مصر التي تغسل شعرها على الترعة

لم يقدم الأبنودي مصر في صورة خريطة معلقة على جدار، ولا في هيئة شعار سياسي مجرد، بل أعادها إلى أصلها الشعبي: امرأة ريفية جميلة، شامخة وبسيطة، تقف على ضفة الترعة وتمارس طقسًا يوميًا بالغ الحميمية: «وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها».

 

في هذه الصورة المكثفة تختبئ مصر كلها: الماء والأرض والريف والأنوثة والخصوبة والكبرياء. أما النهار الذي عجز عن دفع مهرها فليس هو النهار الذي تنتظره البلاد، وإنما يوم الهزيمة الذي كان أصغر من مصر، وأقل من قامتها، وأعجز عن امتلاك مستقبلها.

 

وبدلًا من لغة المصطلحات العسكرية والسياسية، استعار الأبنودي مفردات القرية المصرية: الترعة والسواقي والسنابل والكيزان والليل والقمر والصباح. وحوّل الوطن إلى كائن حي يحلم ويتألم وينتظر، لا إلى مساحة جغرافية صامتة.

 

لم تكن الرمزية الشعبية هنا زينة شعرية، بل وسيلة لاستعادة الوطن من قبضة البيانات والخطب وإعادته إلى أصحابه الحقيقيين. فالمصري البسيط، الذي قد لا يقرأ خرائط العمليات العسكرية، يدرك معنى عروس يعجز العريس عن دفع مهرها، ويفهم أن البلاد أرفع من اليوم الذي حاول إذلالها.

 

ثم جاء لحن بليغ حمدي، فلم يتعامل مع الكلمات باعتبارها نشيدًا عسكريًا، وإنما بوصفها موالًا مصريًا جريحًا يتقدم ببطء من العتمة نحو الضوء. وغناها عبد الحليم بصوت منكسر من دون انهيار، حزين من دون استسلام، حتى بدا كأنه لا يغني لمصر بقدر ما يغني بصوتها.

لماذا لم تشخ الأغنية؟

بعد نحو ستة عقود، ما زالت «عدّى النهار» قادرة على ملامسة الوجدان، لا لأنها تنتمي إلى زمن جميل نتوق إليه، ولا لأن أسماء الأبنودي وبليغ وعبد الحليم تكفي وحدها لمنحها الخلود، بل لأنها تجاوزت مناسبتها التاريخية إلى سؤال إنساني متجدد: ماذا يفعل الوطن حين يهبط عليه الليل؟

 

الأعمال الوطنية الصادقة لا تعيش لأنها تمدح السلطة أو تكرر الشعارات، وإنما لأنها تمس جوهر التجربة الإنسانية لشعوبها. والفن الوطني الحقيقي ليس ما يطلب من المواطن أن يصفق، بل ما يساعده على فهم ألمه، ويمنحه لغة يعبّر بها عنه، ثم يفتح أمامه طريقًا للأمل والعمل.

 

لذلك بقيت الأغنية، بينما اختفت مئات الأغنيات التي صُنعت للمناسبات. لم ترتبط باسم مسؤول أو موسم سياسي عابر، ولم تَعِد الناس بانتصار سهل، بل خاطبت قدرتهم على النهوض. وقدمت الوطنية بوصفها محبة للبلد وإيمانًا بمستقبله، لا مديحًا لمن يدير شؤونه.

 

والكلمة لا تكون وطنية لأنها تتجنب النقد، وإنما لأنها ترفض اليأس في الوطن. وقد يكون كشف الخلل، والتحذير من الخطر، والانحياز إلى الفقراء والمهمشين، أكثر وطنية من عشرات الأناشيد التي لا ترى في البلاد إلا صورتها الرسمية.

من ليل يونيو إلى ليلنا الراهن

ربما كان هذا سر إلحاح الأغنية عليّ في ذلك الصباح. فنحن نعيش واقعًا معيشيًا بالغ الصعوبة، تتآكل فيه قدرة قطاعات واسعة من المصريين على احتمال ارتفاع الأسعار، وتضيق فيه مساحة الأمان لدى الطبقة الوسطى، فيما تتحول أبسط احتياجات الناس، من المسكن إلى العلاج والتعليم، إلى أعباء ثقيلة.

 

والهزيمة ليست دائمًا دبابة تعبر الحدود أو أرضًا تقع تحت الاحتلال. قد تبدأ حين يكف المواطن عن تصديق الخطاب العام، وحين تصبح معيشته اليومية معركة فردية، وحين يشعر بأن صوته زائد عن الحاجة، وأن عليه أن يدفع وحده كلفة أزمات لم يصنعها. عندها لا تُهزم الجيوش فقط؛ تتآكل الثقة، وينكمش معنى الوطن في الوجدان.

 

وفي محيطنا العربي، تتسع دوائر الدم والخراب؛ من فلسطين التي يواجه شعبها عدوانًا ومشروع اقتلاع، إلى لبنان وسوريا وغيرهما من ساحات الألم. وبين ضغوط الداخل وحرائق الإقليم، يحتاج الإنسان إلى كلمة تفهم قلقه، لا إلى خطاب يطالبه بإنكار ما يراه ويعيشه.

 

فهل ما زالت بلدنا واقفة على الترعة تغسل شعرها؟ أعتقد أنها ما زالت هناك: متعبة لكنها لم تفقد جمالها، مثقلة بالجراح لكنها لم تفقد كبرياءها، تنتظر صباحًا يليق بتاريخها وبما قدمه شعبها من تضحيات.

 

لكن النهار الذي تنتظره مصر لن يكون فردًا خارقًا أو قرارًا مفاجئًا يهبط من السماء. إنه نهار تصنعه دولة تحترم الإنسان، ومجتمع يقوم على العدالة، واقتصاد ينتج ولا يضارب في حاجات الناس، وتعليم يحرر العقل، وثقافة تعيد بناء الوجدان، وإعلام يقول الحقيقة قبل أن تفرضها الأزمات.

 

وهو نهار الحرية المسؤولة التي تسمح بالنقد وتستفيد منه، والمشاركة التي تجعل المواطن شريكًا في وطنه لا مجرد متلقٍّ لقراراته، والعدالة الاجتماعية التي لا تترك الفقراء وحدهم يدفعون كلفة الأزمات. فالوطن لا يخرج من ليله بالأمنيات؛ لا يكفي أن نردد أن الصباح آتٍ، بل علينا أن نبني شروط مجيئه.

أين أغنية هذا الزمان؟

ربما يفسر خلود «عدّى النهار» أيضًا شعورنا بأن حاضرنا يفتقد عملًا فنيًا كبيرًا يعبّر عنه. لدينا أصوات جميلة وتقنيات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، ومنصات قادرة على إيصال الأغنية إلى الملايين خلال دقائق، لكننا نفتقد، في أحيان كثيرة، الكلمة التي تمسك بروح اللحظة، واللحن الذي يترجم قلق الناس وآمالهم، والصوت الذي يشعرون بأنه يخرج منهم ويعود إليهم.

 

نحتاج إلى فن يتحدث عن صعوبة العيش من دون أن يحوّل الفقر إلى استعراض، وعن الوطن من دون أن يختزله في مسؤول، وعن المقاومة من دون أن يسقط في الإنشاء، وعن فلسطين ولبنان وسوريا بوصفها جراحًا إنسانية وقومية، لا أخبارًا تمر أسفل الشاشات.

 

ولا يولد هذا الفن بأوامر إدارية، ولا تصنعه لجان المناسبات. إنه يحتاج إلى مناخ يسمح للمبدع بأن يرى ويقول ويختلف، وإلى مؤسسات ثقافية تعرف أن حماية الوعي لا تقل أهمية عن حماية الحدود. ففي اللحظات الكبرى لا يكون الفن ترفًا يؤجَّل إلى ما بعد المعركة؛ إنه جزء من المعركة نفسها. السلاح يدافع عن الأرض، أما الكلمة فتحمي معنى الدفاع عنها، وتحفظ الذاكرة من التزييف، وتمنع الهزيمة من الاستقرار في الروح.

 

لهذا لم تكن «عدّى النهار» مجرد أغنية أعقبت الهزيمة، بل بداية مقاومة وجدانية سبقت استعادة الأرض. فقد نقلت المصريين من مرارة الاعتراف بالسقوط إلى اليقين بإمكان النهوض؛ لا بوعد سحري، بل بإعادة وصل الحزن بالفعل.

النهار لا يأتي وحده

الآن أفهم لماذا ظلت الأغنية تلح عليّ ذلك الصباح. لم تكن تستدعيني إلى البكاء على زمن مضى، بل كانت تسألني عن الزمن الذي نعيشه. لم تكن تعيد فتح جرح يونيو، وإنما تضع إصبعها على جراح الحاضر، وتحذرنا من تحويلها إلى قدر.

 

السلام لروح عبد الرحمن الأبنودي، الذي كتب بلسان الأرض والناس، ولروح بليغ حمدي، الذي عرف كيف يجعل اللحن وطنًا موازيًا، ولروح عبد الحليم حافظ، الذي منح الحزن كرامة والأمل صوتًا. والسلام لروح كل من امتلك شجاعة إتاحة الأغنية في زمن كان الاعتراف بالهزيمة فيه أشق من ترديد أناشيد النصر.

لقد عبر نهار 1967، وجاء بعده ليل طويل، لكن المصريين لم يستسلموا له؛ أعادوا بناء جيشهم، وخاضوا حرب الاستنزاف، وشيدوا حائط الصواريخ، حتى صنعوا صباح أكتوبر. وهذه هي الرسالة التي ما زالت الأغنية تحملها إلينا: لا ليل يدوم، لكن النهار أيضًا لا يأتي إلى الذين يكتفون بانتظاره.

وحين تسألنا «عدّى النهار» اليوم عن مصر، ينبغي ألا تكون إجابتنا قصيدة أخرى فحسب، بل وطنًا أكثر عدلًا وحرية وإنتاجًا وقدرة على حماية أبنائه. عندها فقط يأتي الصباح الذي يليق ببلدنا؛ لا ضيفًا عابرًا من وراء الشجر، بل نهارًا صنعناه بأيدينا، ودفعنا مهره من العلم والعمل والعدل والكرامة.

الجريدة الرسمية