رئيس التحرير
عصام كامل

سد النهضة من قوة التصريح إلى قوة الموقف

18 حجم الخط

أخطر ما يصيب التحذير أن يألفه من نوجّهه إليه، فيسمعه مطمئنًا إلى أن ما بعده لن يختلف عما قبله. عندئذ تفقد الكلمات قدرتها على الردع، ويصبح مرور الوقت حليفًا لمن يفرض الأمر الواقع. وفي قضية النيل، تُدفع كلفة هذا الاعتياد من أمن وطن وحقوق أجيال، لا من رصيد الخطابة وحده.

 

من هنا، حظيت تصريحات وزير الموارد المائية والري، الدكتور هاني سويلم، بقبول وتفاعل واسعين لدى قطاعات من الجمهور والنخب المصرية. وفي تقديري، عبّر هذا التفاعل عن توق إلى موقف يشعر معه المصريون بأن الدولة تدرك عمق قلقهم، وتملك إرادة حماية شريان حياتهم. فالناس ينتظرون أن يروا مكانة بلدهم وقوته حاضرتين في الدفاع عن حقوقهم. غير أن الكلمات التي تستنهض الثقة تستدعي معها مسؤولية الوفاء؛ وكل ارتفاع في سقف التحذير يرفع كلفة التراجع عنه أو تركه يتبدد بلا أثر.

 

في إحاطته أمام مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية، التي نظمتها الهيئة العامة للاستعلامات في العشرين من سبتمبر، أكد سويلم رفض اعتبار اكتمال السد أو مرور الزمن قبولًا بالأمر الواقع، وتمسك مصر بالخيارات المشروعة لحماية أمنها المائي. ولهذا الكلام وزن سياسي يستحق التقدير؛ ويستحق أيضًا السؤال الذي يمنحه جديته: كيف يتحول رفض الأمر الواقع إلى قدرة على تغييره؟

السيادة على القرار المائي

يكمن الخطر الأعمق في أن تتحول القدرة على التحكم في تدفق المياه إلى نفوذ على القرار المصري نفسه. فالدولة التي تضطر إلى بناء خطط الزراعة والغذاء والتنمية على توقع قرارات دولة أخرى، تظل معرضة لضغوط تتجاوز الملف المائي. ومن هنا تصبح الضمانات الملزمة ضرورة لحماية استقلال القرار الوطني.

 

وقد حذر سويلم من أثر التشغيل غير المنسق في إحداث ارتفاعات أو انخفاضات مفاجئة في التدفقات، وشدد على أهمية الاتفاق على قواعد التعامل مع الجفاف والفيضانات. والسؤال الحاسم هنا: من يقرر توزيع الأعباء عندما تشح المياه؟ ومن يضمن ألا تنفرد دولة المنبع بتحديد ما تتحمله دولتا المصب؟

 

ولا يصح أن يتوقف إدراك الخطر على وقوع ضرر فادح بالفعل. فانتظار الأزمة حتى تشتد يضيّق مساحة الاختيار، بينما تمنح القواعد المتفق عليها مسبقًا الأطراف قدرة على التخطيط والمحاسبة. والتطمينات السياسية، مهما حسنت نيات أصحابها، لا تؤدي وظيفة الالتزام الذي يستمر بتغير الحكومات والظروف.

 

وبعد اكتمال البناء، باتت مهمة تقييد الانفراد بالتشغيل أكثر إلحاحًا. وهذا يقتضي تحديد هدف عملي دقيق: إخضاع إدارة السد لقواعد ملزمة تحمي الحقوق وتمنع الإضرار. أما وصف الوزير للسد بأنه غير شرعي، فهو تعبير عن الموقف المصري من إجراءات بنائه وملئه وتشغيله الأحادية؛ وتحتاج هذه الحجة إلى تحرك قانوني وسياسي يترجمها إلى التزامات يمكن فرض احترامها.

ولإثيوبيا حقها في التنمية، لكن تحويل الموقع عند منابع النهر إلى سلطة على حياة الشعوب الواقعة بعده يهدم إمكان التنمية المشتركة. المطلوب اتفاق يجعل النهر مصدرًا لمصالح متبادلة، ويغلق باب استخدامه وسيلة للإخضاع.

كلفة المماطلة

تبدأ المراجعة الجادة من السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: كيف امتدت المفاوضات سنوات، فيما تقدمت أعمال البناء والملء حتى صار السد واقعًا قائمًا؟ إن تحميل أديس أبابا مسؤولية نهجها الأحادي لا يعفينا من تقييم أدواتنا، وفحص أسباب عجزها عن منع هذا المسار.

 

فالزمن في التفاوض لا يتوزع بالتساوي. حين يستخدمه طرف لتثبيت وقائع جديدة، ويكتفي الآخر بانتظار الاتفاق، تصبح المفاوضات ذاتها جزءًا من ميزان القوة المختل. وكل جولة بلا نتيجة قد تمنح صاحب الأمر الواقع مكسبًا إضافيًا، وتحمّل الطرف المتضرر كلفة التأقلم معه.

لذلك فإن تغيير نبرة الخطاب ينبغي أن يصاحبه تغيير في الحوافز التي تحكم سلوك الطرف الآخر. ما دامت المماطلة قليلة الكلفة، فلن تكفي دعوتُه إلى إظهار حسن النية. المطلوب أن يغدو الاتفاق أكثر نفعًا له، وأن تصبح مواصلة الانفراد أشد كلفة سياسيًا واقتصاديًا.

وهذا يستلزم أن تتحرك مؤسسات الدولة وفق برنامج واحد، تحدد فيه وزارة الري الاحتياجات والضمانات الفنية، وتبني الخارجية التأييد والتحالفات، وتدرس المؤسسات الاقتصادية والأمنية أوراق التأثير وحدود استخدامها. فلا يُترك المفاوض حاملًا الحجة وحدها، بينما تبقى عناصر القوة الأخرى خارج حسابات التفاوض.

وينبغي أن تكون غاية أي مسار جديد محددة: قواعد للتشغيل والجفاف، وبيانات منتظمة، وآلية للتحقق وتسوية الخلافات، وترتيبات تحمي التدفقات أثناء النزاع على تفسير الاتفاق. فالتوقيع على نص يفتقر إلى آلية لمعالجة مخالفاته قد ينقل الأزمة من خلاف على غياب الاتفاق إلى خلاف دائم على تطبيقه.

 

كذلك يحتاج تحديد مدة للمفاوضات إلى تصور واضح لما يلي إخفاقها. فالمهلة التي تنقضي لتبدأ بعدها مهلة مماثلة تفقد معناها. وليس ضروريًا إعلان تفاصيل البدائل كلها، لكن ينبغي أن يدرك الطرف الآخر أن رفض التسوية لن يعيده إلى الوضع المريح نفسه.

 

وعلى مصر أن تناقش مع الشركاء أصحاب المصالح المؤثرة في إثيوبيا ربط مزايا التعاون المستقبلي باحترام قواعد متفق عليها. كما ينبغي تعميق حضورها في دول الحوض بمشروعات ومصالح ملموسة. فمواجهة الانفراد الإثيوبي تتطلب كسب التأييد للتعاون العادل، وإظهار ما يتيحه من فرص، بعيدًا عن ترك أديس أبابا تحتكر الحديث باسم التنمية الأفريقية.

 

الردع ومسؤولية القوة

وفي هذا السياق، تبقى القوة العسكرية جزءًا أصيلًا من قدرة مصر على حماية أمنها. فالدفاع عن الحدود ومقومات الحياة في صميم وظيفة القوات المسلحة، وما يبذله المصريون لبنائها يجب أن يظل سندًا لحقوقهم وقرارهم الوطني. واستبعاد هذه القدرة سلفًا من كل حساب يضيّق أدوات الدولة؛ كما أن تحويلها إلى تهديد متكرر بلا أثر يستنزف صدقيتها.

 

وأتمسك بضرورة امتلاك مصر جميع وسائل حماية أمنها المائي، بما فيها القوة الخشنة إذا استدعتها ضرورة الدفاع وتوافرت شروط مشروعيتها. ويخضع استخدامها لقيود ميثاق الأمم المتحدة، ولتقدير مسؤول للجدوى والعواقب. فالقوة تُختبر بما تحميه وتحققه، وسلامة المدنيين ومصالح السودان جزء لا يتجزأ من حساب الأمن المصري.

 

والردع الفعال يحتاج إلى هدف مفهوم وإرادة موثوقة. ويُقاس نجاحه بقدرته على دفع الطرف الآخر إلى تعديل سلوكه وقبول التسوية، وقد يحقق غرضه دون إطلاق رصاصة. ولهذا ينبغي أن تتكامل الدبلوماسية والقدرة على الردع في سياسة واحدة، تفتح طريقًا واضحًا للاتفاق وتمنع الاطمئنان إلى أن التعنت سيظل بلا ثمن.

 

جبهة الداخل

ولا تكتمل هذه السياسة من دون جبهة داخلية تستند إلى الثقة والعدل. فالمواطن شريك في الدفاع عن وطنه، ومن حقه أن يسأل عن حصيلة السياسات وكلفة الخيارات. والنقاش المسؤول يوسّع قاعدة الخبرة المتاحة للدولة، ويمنح قراراتها سندًا أقوى من مطالبة الجميع بالصمت والاطمئنان.

 

أما تحسين كفاءة استخدام المياه، فهو ضرورة ينبغي أن تزيد قدرتنا على الصمود. لكن نجاح المهندسين والمزارعين في تدبير الموارد لا يجوز أن يُفهم باعتباره قدرة مفتوحة على تحمل تبعات قرارات الآخرين. فالتكيف قد يخفف أثر الأزمة، لكنه لا يحسم النزاع على الحقوق؛ وكل أعباء إضافية ينبغي أن تكون ظاهرة في الحساب الوطني، وموزعة بعدل.

لقد أحسن وزير الري حين أعاد التأكيد بوضوح أن الملف لم يُغلق، وأن اكتمال البناء لا يسقط حقوق مصر. ويبقى أن تجد هذه الكلمات امتدادها في سياسة تحمل توقيع الدولة بكل مؤسساتها، ويُقاس نجاحها بما تنتزعه من ضمانات، وما تمنعه من أضرار، وما تغيّره في سلوك الطرف الآخر.

فمصر لا تستطيع أن تورّث أبناءها حقًا معلقًا بحسن نيات الآخرين، ولا أن تترك لهم أرشيفًا بليغًا من التحذيرات بينما يملك غيرهم قرار الماء. النيل أمانة في أعناقنا؛ وواجبنا أن نسلّمها لمن بعدنا مصونة بالحق، محمية بالقدرة، لا مؤجلة إلى جولة تفاوض جديدة.

الجريدة الرسمية