رئيس التحرير
عصام كامل

من القذافي إلى حفتر.. أردوغان يبدّل حلفاءه لا مشروعه

18 حجم الخط

لم يكن بيان وزارة الخارجية المصرية الرافض لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم التركية الليبية بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية مجرد اعتراض دبلوماسي عابر؛ بل جرس إنذار يدعونا إلى إعادة قراءة ملف العلاقات مع تركيا، بعيدًا عن حرارة المصافحات، وبذاكرة لا تنسى كيف يدير رجب طيب أردوغان تحالفاته، وكيف يتخلى عن أقرب حلفائه فور انتهاء صلاحيتهم في خدمة مشروعه.

 

لقد حذرنا مرارًا من أن المشكلة مع أردوغان لا تكمن في خلاف سياسي عابر يمكن أن تبدده زيارة أو تعالجه اتفاقية، وإنما في نهج كامل يقوم على التغلغل الاقتصادي والسياسي، ثم تبديل المواقع والحلفاء، وصولًا إلى تثبيت نفوذ تركي يستدعي أحلام العثمانية الجديدة.

 

فالخطير ليس فقط أن مجلس النواب الليبي صدّق على الاتفاق الذي أبرمه أردوغان مع حكومة فايز السراج عام 2019، واعتبرته مصر منذ اللحظة الأولى اعتداءً على حقوقها في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري؛ وإنما أن التصديق جاء من المجلس نفسه الذي ظل سنوات يرفض الاتفاق، ومن المنطقة التي طالما قدمت نفسها باعتبارها الحائط الذي يمنع التمدد التركي في ليبيا. فما الذي تغير؟ لم يتغير أردوغان، وإنما بدّل حلفاءه!

من خيمة القذافي إلى خصومه

كنت في مدينة سرت أغطي القمة العربية عام 2010، وشاهدت بنفسي كيف تجاوز الحضور التركي حدود التجارة والاستثمار إلى التغلغل داخل مفاصل الدولة الليبية. تولت شركة تركية أعمال التنظيم والخدمات، وانتشر نحو ألف عامل تركي لتقديم الخدمات إلى الوفود وضيوف العقيد معمر القذافي.

 

وفي العام نفسه، حضرت في فندق ريكسوس بطرابلس مؤتمرًا صحفيًا لعبد الحكيم بلحاج، نظمه سيف الإسلام القذافي، وكان الفندق يُدار بإدارة تركية كاملة. يومها بدا النفوذ التركي ناعمًا، يختبئ خلف الشركات والخدمات والاستثمارات، لكنه كان يمهد لحضور سياسي أكثر عمقًا.

 

كانت المنتجات التركية تملأ الأسواق، والشركات التركية تحصل على المشروعات الكبرى، فيما تجاوزت قيمة الأعمال التركية في ليبيا خمسة عشر مليار دولار. وبلغ التقارب ذروته عندما منح القذافي أردوغان جائزته لحقوق الإنسان في نوفمبر 2010.

كان أردوغان يومها ضيفًا عزيزًا وصديقًا مقربًا، وكانت ليبيا سوقًا مفتوحة أمام بلاده. لكن ما إن اندلعت أحداث 2011 حتى بدأت الحسابات تتغير.

 

والدقة تقتضي القول إن أردوغان عارض في البداية التدخل العسكري الغربي؛ فلم يكن قد أمّن مصالحه بعد. لكنه خلال أشهر انتقل من معارضة إسقاط القذافي إلى مطالبته بالرحيل، ثم اعترف بالمجلس الانتقالي، وقدم له نحو ثلاثمائة مليون دولار بين مساعدات وقروض، وفتح الطريق أمام القوى التي كان الإسلام السياسي مكونًا رئيسيًا داخلها.

 

لم تكن تركيا تنظر إلى ليبيا بوصفها دولة عربية شقيقة، وإنما باعتبارها ساحة نفوذ وجسرًا ضروريًا لمد المشروع التركي إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط. وعندما اندفعت القوات المدعومة من أنقرة من غرب ليبيا باتجاه الشرق، جاء التحذير المصري الحاسم على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي من قاعدة محمد نجيب العسكرية: «سرت والجفرة خط أحمر». توقفت الحركة عند الخط؛ لأن أردوغان يفهم لغة المصالح، لكنه يفهم لغة القوة بصورة أفضل.

بشار الأسد.. النموذج نفسه

ما فعله أردوغان مع القذافي تكرر بصورة أكثر وضوحًا مع الرئيس السوري السابق بشار الأسد.. قبل عام 2011، كانت العلاقة بينهما توصف بأنها نموذج للتحالف الاستراتيجي. ألغيت تأشيرات الدخول، وعقدت الحكومتان اجتماعات مشتركة، وأصبح البلدان يتحدثان عن «مصير مشترك». ووصل حجم التبادل التجاري إلى نحو مليارين ونصف المليار دولار، وأصبحت تركيا أكبر شريك تجاري لسوريا. بل إن أردوغان كان يقضي بعض عطلاته مع الأسد، بينما كانت المنتجات التركية تغمر الأسواق السورية.

 

لكن الصديق الذي كان يجلس إلى جوار الأسد سرعان ما تحول إلى أكبر داعم لإسقاطه. فتحت أنقرة حدودها للمعارضة، وقدمت الدعم السياسي والعسكري لفصائل مسلحة، ثم أصبحت الداعم الرئيسي لما عُرف بالجيش الوطني السوري والقوى المرتبطة به.

 

لا أدافع هنا عن القذافي أو الأسد، ولا أناقش طبيعة نظاميهما؛ وإنما أتحدث عن نمط ثابت في سياسة أردوغان: يتغلغل اقتصاديًا، وينسج علاقة شخصية مع رأس الدولة، ويمد شبكاته داخل المؤسسات والأسواق، ثم ينتقل إلى المعسكر الآخر عندما يرى أن مصالحه تقتضي ذلك. الغدر هنا ليس شتيمة سياسية، بل وصف لمسار تكرر أكثر من مرة.

مصالحة مصر بلا شيك على بياض

بعد سنوات من العداء الصريح لثورة الثلاثين من يونيو، وإيواء عناصر جماعة الإخوان وتوفير المنابر الإعلامية لها، أدرك أردوغان أن الدولة المصرية التي راهن على سقوطها ازدادت قوة، وأن الثلاثين من يونيو لم تكن موجة عابرة، بل ثورة شعبية حماها الجيش، ورسخت دولة لا يستطيع تجاوزها.

فعاد يطلب المصالحة، واستجابت مصر بمنطق الدولة ومصالحها، لا بمنطق الثأر أو العواطف. عادت الزيارات والاجتماعات، واقترب حجم التبادل التجاري من تسعة مليارات دولار، ووُضع هدف لرفعه إلى خمسة عشر مليارًا بحلول عام 2028.

 

ولا اعتراض على التعاون مع تركيا إذا كان يحقق المصالح المصرية. فالدول لا تدير سياستها بالمشاعر، ولا ينبغي أن تبقى أسيرة لخلافات أبدية. لكن المصالحة شيء، والثقة المجانية شيء آخر.

المشكلة أن أنقرة استغلت مرحلة التهدئة لإعادة ترتيب أوراقها. لم تكتف بالحفاظ على نفوذها في غرب ليبيا، بل مدت جسورها إلى شرقها، ونسجت علاقات متصاعدة مع خليفة حفتر ونجله صدام، وحصلت شركاتها على عقود ومشروعات، وظهرت مؤشرات متزايدة على تعاون أمني وعسكري بين الطرفين. لم يعد لتركيا معسكر واحد في ليبيا؛ أصبحت لها قدم راسخة في طرابلس ويد ممتدة إلى بنغازي.

حفتر يفتح الباب لأنقرة

كان لافتًا أن التصديق على الاتفاق البحري جاء بعد أسابيع قليلة من خروج المستشار عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب، وهو الرجل الأقرب إلى القاهرة ومن أبرز معارضي الاتفاق التركي. وسرعان ما ألغى المجلس قراراته السابقة الرافضة للاتفاقات الموقعة مع أنقرة ولقطع العلاقات السياسية معها، بينما سارع صدام حفتر إلى الترحيب بالقرار.

 

ليست لدينا وثيقة معلنة تثبت أن حفتر أصدر أمرًا بإزاحة عقيلة صالح أو تمرير الاتفاق، لكن تتابع الوقائع، وطبيعة موازين القوة في شرق ليبيا، وترحيب صدام حفتر، كلها لا تسمح بالتعامل مع ما جرى باعتباره مجموعة مصادفات معزولة.

وإذا كان حفتر يعتقد أن بإمكانه استخدام تركيا لموازنة علاقته بمصر، فعليه أن يتذكر أن الدعم المصري كان من أهم عوامل صمود شرق ليبيا ومنع سقوطه في أيدي الجماعات المسلحة.

هذا الدعم لم يكن منحة شخصية لحفتر، بل كان استثمارًا في الأمن القومي المصري ووحدة الدولة الليبية. ومن ثم، لا يجوز أن تتحول القوة التي ساعدت مصر في بنائها لحماية الشرق الليبي إلى أداة يجري استخدامها اليوم لتمرير اتفاق يمس حقوق مصر البحرية.

مراجعة لا قطيعة

المطلوب ليس قطع العلاقات مع تركيا، ولا العودة إلى سنوات التوتر، وإنما مراجعة جادة تضع حدودًا واضحة لأي تعاون مقبل. على القاهرة أن تستخدم أوراقها الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية والأمنية لحماية حقوقها في شرق المتوسط، وأن تنسق تحركها مع اليونان وقبرص، وأن تربط تعاونها مع معسكر حفتر بموقف واضح لا يحتمل المناورة من الاتفاق البحري التركي.

 

ولدى مصر أوراق كثيرة: الحدود والمعابر، والتعاون الأمني، والاعتراف السياسي، وفرص إعادة الإعمار، والعلاقات الممتدة مع المؤسسات والقبائل والقوى الاجتماعية في شرق ليبيا. لكن استخدام هذه الأوراق يقتضي ألا تختزل مصر علاقاتها بالشرق الليبي في شخص حفتر أو أسرته؛ لأن ربط المصالح المصرية بشخص واحد يفتح الباب أمام الابتزاز وتبدل الولاءات.

بيان الخارجية المصرية بداية صحيحة، لكنه يجب ألا يكون نهاية التحرك.

لقد أثبتت التجارب أن أردوغان لا يحتفظ بحليف دائم، لكنه يحتفظ دائمًا بمشروعه. فعلها مع القذافي، ثم مع الأسد، ويحاول اليوم استخدام حفتر لانتزاع شرعية من شرق ليبيا لاتفاق عقده مع سلطات غربها. أما قصة حفتر نفسه مع القذافي، ثم انتقاله إلى الولايات المتحدة وعودته إلى ليبيا، فلها حديث آخر.

الخلاصة أن مصر تستطيع التعاون مع تركيا، لكنها لا ينبغي أن تغلق دفتر حساباتها معها. تمد يدها للمصافحة، نعم، لكن تبقي عينها مفتوحة على ليبيا، ويدها الأخرى على خطوطها الحمراء. فالثقة لا تُمنح لمن اختبرناه أكثر من مرة؛ الثقة تُبنى بالأفعال، وتحرسها القوة.

الجريدة الرسمية