أكتوبر.. حين كان وراء الجيش وطن كامل
في صباح السادس من أكتوبر، كتبت على صفحتي تحية إلى صُنّاع النصر: الجنود والضباط الذين عبروا القناة واقتحموا المستحيل، وأهالي مدن القناة الذين تحملوا التهجير، والقادة الذين أعادوا بناء القوات المسلحة بعد هزيمة 1967، ورجال الدولة الذين أداروا سنوات الإعداد الشاقة، والفنانين الذين حملوا بأصواتهم وكلماتهم روح الوطن.
وجاء تعليق اللواء محمود البيطار، أحد أبطال حرب أكتوبر، لينقل التحية من وهج الذكرى إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف صُنِع النصر؟
كتب أن أكتوبر لم يأتِ من فراغ؛ فقد بدأ الطريق إليه بتدمير المدمرة إيلات في الحادي والعشرين من أكتوبر 1967، ثم بإعادة بناء القوات المسلحة على أسس من العلم والتدريب والمراجعة الصريحة للهزيمة، والاستعانة بالمجندين من أصحاب المؤهلات العليا، وتوظيف قدرات المهندسين العسكريين في ابتكار حل لفتح الثغرات في الساتر الترابي باستخدام مضخات المياه، إلى جانب خطة خداع استراتيجي أربكت أجهزة استخبارات كبرى.
ثم لخّص اللواء البيطار المعنى كله في عبارة تستحق أن تُقرأ باعتبارها نظرية في بناء قوة الدول: «مصر لم تنتصر بسلاح أكثر، ولكن حين فكرت بصورة أفضل».
فالنصر لم يكن وليد لحظة العبور وحدها، ولا ثمرة قرار منفرد مهما بلغت شجاعته، بل كان حصيلة سنوات من التفكير والعمل والتضحيات، وتكامل المؤسسة العسكرية مع الجبهة الداخلية، ووضوح الهدف الوطني، ووجود ظهير عربي وفر لمصر عمقًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا.
من الاعتراف بالهزيمة بدأ طريق النصر
كانت نقطة البداية هي الاعتراف بأن ما جرى في يونيو 1967 هزيمة حقيقية، تستوجب البحث في أسبابها، لا الهروب منها إلى الخطب والتبريرات. ومن هذا الاعتراف المؤلم بدأت عملية إعادة بناء القوات المسلحة، واستعادة الانضباط والكفاءة، وإفساح المجال أمام العلم والخبرة والعناصر المؤهلة.
قاد جمال عبد الناصر عملية إعادة البناء وأطلق حرب الاستنزاف، وأسهم الفريق أمين هويدي، الذي تولى وزارة الحربية ثم رئاسة المخابرات العامة في مرحلة شديدة الحساسية، في إعادة تنظيم مؤسسات القوة والأمن، ووضع اللبنات الأولى لاستعادة القدرة القتالية. ثم اضطلع الفريق أول محمد فوزي بالدور المركزي في إعادة بناء القوات المسلحة، وبرز الفريق عبد المنعم رياض نموذجًا للقائد الذي جمع بين العلم والشجاعة، ووقف بين جنوده في الخطوط الأمامية حتى استشهد بينهم.
وتواصل بناء حائط الصواريخ بقيادة الفريق محمد علي فهمي، لينهي جانبًا مهمًا من التفوق الجوي للعدو، ويفتح الطريق أمام قرار العبور. ثم جاء قرار الرئيس أنور السادات بالحرب، وتولت القيادة العامة، وفي مقدمتها الفريق أول أحمد إسماعيل والفريق سعد الدين الشاذلي والفريق محمد عبد الغني الجمسي، تحويل سنوات الإعداد إلى خطة وقرار وفعل ميداني.
لم يكن هناك سلاح سحري قلب موازين القوة فجأة، بل عقل عسكري تعلم من الهزيمة، وغيّر أساليب القتال، ووظّف الإمكانات المتاحة بكفاءة، وحوّل نقاط قوة العدو إلى مواطن ضعف. لذلك لم يكن انتصار أكتوبر انتصارًا للسلاح وحده، بل كان، قبل ذلك، انتصارًا للعقل الذي امتلك شجاعة المراجعة وقدرة الابتكار.
وهذا درس يتجاوز المجال العسكري؛ فالدول لا تستعيد قوتها بإنكار أخطائها، وإنما بكشفها ومناقشتها وتصحيحها. كما أن مساحة الحرية ليست ترفًا يُمنح في أوقات الرخاء ويُسحب عند الأزمات، بل هي جهاز إنذار مبكر يمنع تزييف الواقع، ويصحح القرار قبل أن تتحول الأخطاء إلى كوارث.
الجبهة الداخلية شريك في المعركة
لم يكن الجيش يقاتل في فراغ، بل كان وراءه مجتمع يتحمل ضغوط اقتصاد الحرب، ودولة تحاول، بإمكاناتها المحدودة، أن تحمي تماسك جبهتها الداخلية. كانت مصر قد فقدت عائدات قناة السويس وجزءًا من إنتاج النفط والسياحة، وواجهت تكاليف هائلة لإعادة بناء الجيش وتسليحه، ومع ذلك لم يكن ممكنًا خوض الحرب بينما تُترك الطبقات الشعبية وحدها في مواجهة أعبائها.
ومن هنا تكتسب تجربة حكومة الدكتور عزيز صدقي، التي تشكلت في يناير 1972 وعُرفت سياسيًا بأنها حكومة الإعداد للحرب، دلالة خاصة. فقد ضمت شخصيات تنتمي إلى اتجاهات فكرية وسياسية متعددة، في صورة اقتربت عمليًا من حكومة تعبئة وطنية، تستدعي الخبرة والكفاءة بصرف النظر عن الخلفيات الأيديولوجية.
كان اختيار الدكتور فؤاد مرسي، الاقتصادي والمفكر اليساري، وزيرًا للتموين والتجارة الداخلية، تعبيرًا عن إدراك أن الاستعداد للحرب لا يبدأ من خطوط القتال وحدها، بل يبدأ أيضًا من رغيف الخبز، وضبط الأسواق، وتأمين السلع الأساسية، وقدرة الفئات الأقل دخلًا على احتمال أعباء المواجهة. ورغم خروجه من الوزارة في مارس 1973، فإن وجوده في مرحلة الإعداد جسّد وعيًا بأهمية البعد الاجتماعي في معركة استعادة الأرض.
كما استمر الدكتور إسماعيل صبري عبد الله، أحد أبرز الاقتصاديين المصريين ومن رموز اليسار الوطني، وزيرًا للتخطيط خلال الحرب، بما يؤكد أن إدارة المعركة احتاجت إلى عقل اقتصادي يوازن بين متطلبات التسليح والإنتاج والخدمات واحتياجات المجتمع.
كانت الرسالة بالغة الوضوح: معارك المصير لا تحتمل احتكار الوطنية، ولا استبعاد الكفاءات بسبب اختلاف الرأي أو الانتماء الفكري. فحين يصبح الهدف هو إنقاذ الوطن، تتراجع الحسابات الضيقة، وتتحول التعددية من مصدر خوف إلى عنصر قوة.
ولعب القطاع العام في تلك المرحلة دورًا استراتيجيًا، إذ وفر للدولة قاعدة إنتاجية وقدرة على توجيه الموارد وتلبية جانب من احتياجات القوات المسلحة والسوق المحلية. وهذا لا يعني تقديس تجربة القطاع العام أو تجاهل ما أصاب بعض مؤسساته من بيروقراطية وترهل، وإنما يعني أن الدولة لا تستطيع حماية قرارها السيادي إذا تخلت عن أدواتها الإنتاجية، وتركت أمنها الغذائي والصناعي والدوائي لتقلبات السوق أو لإرادة الخارج.
فالقطاع العام ليس مقدسًا، والقطاع الخاص المنتج ليس عدوًا، بل يمكن أن يكون شريكًا أصيلًا في التنمية. أما رأس المال الطفيلي، القائم على السمسرة والاحتكار والمضاربة في حاجات الناس، فهو عبء على الاقتصاد والمجتمع، لا قوة مضافة إليهما. ويظل المعيار هو الإنتاج والكفاءة والقيمة التي تُضاف إلى الاقتصاد، والقدرة على حماية المجتمع واستقلال القرار الوطني.
كما أن العدالة الاجتماعية ليست منحة تقدمها الحكومات إلى الفقراء، بل جزء أصيل من البنية التحتية للأمن القومي. فالجبهة الداخلية لا تتماسك بالدعوة إلى الصبر وحدها، وإنما بشعور المواطنين بأن التضحيات موزعة بعدالة، وأن القادرين يتحملون نصيبهم من الأعباء، وأن الدولة لا تطلب من الفقراء دفع فاتورة أزمات لم يصنعوها.
لقد تحمل المصريون في تلك السنوات مشقة بالغة، لكنهم عرفوا إلى أين تتجه تضحياتهم، وشعروا بأن هناك هدفًا وطنيًا يجمعهم. وحين يكون الهدف واضحًا، والأعباء موزعة بقدر معقول من العدالة، يصبح الصبر الشعبي قوة استراتيجية لا تقل أهمية عن السلاح.
العمق العربي الذي أسند المعركة
جاء نصر أكتوبر أيضًا في لحظة كانت فيها العلاقات المصرية العربية في واحدة من أفضل حالاتها. لم تكن الوحدة العربية يومها مكتملة، ولم تختفِ الخلافات، لكن قدرًا كافيًا من التنسيق والتضامن تحقق، وكان قادرًا على إحداث فارق حقيقي.
كان هناك التنسيق العسكري المصري السوري، والمشاركة أو المساندة العسكرية من دول عربية عدة، فضلًا عن الدعم المالي والسياسي. ثم جاء استخدام النفط أداة ضغط على الولايات المتحدة والدول الداعمة للكيان الصهيوني، ليؤكد أن عناصر القوة العربية، حين تتكامل ويجري توظيفها في إطار هدف مشترك، تستطيع التأثير في موازين دولية يظن البعض أنها عصية على التغيير.
لم يكن الدعم العربي تفصيلًا هامشيًا في مشهد الحرب، بل كان أحد مكونات بيئة النصر. فالعلاقات العربية ليست مجاملات دبلوماسية أو بيانات تصدر في القمم، وإنما عمق دفاعي واقتصادي وسياسي، وكل تراجع فيها يقتطع من قدرة مصر ومن قدرة العرب جميعًا على حماية مصالحهم.
وهذا أحد أكثر دروس أكتوبر إلحاحًا في واقعنا الراهن، في ظل ما تشهده المنطقة من حروب وتفكيك وصراعات، وما يواجهه الشعب الفلسطيني من عدوان يستهدف وجوده وأرضه. فلا دولة عربية، مهما امتلكت من عناصر القوة، تستطيع أن تواجه منفردة شبكة التحديات الإقليمية والدولية، كما أن الأمن القومي المصري لا ينفصل عن أمن المشرق والخليج والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
حدود الرهان على واشنطن
أثبتت حرب أكتوبر كذلك أن الولايات المتحدة لم تكن وسيطًا محايدًا؛ فقد أقامت جسرًا جويًا ضخمًا لتعويض خسائر الكيان الصهيوني ومدّه بالسلاح والعتاد، في محاولة واضحة لمنع الهزيمة العسكرية من التحول إلى واقع استراتيجي جديد.
ولا تعني قراءة هذه الحقيقة الدعوة إلى القطيعة مع الولايات المتحدة أو تجاهل وزنها الدولي، لكنها تفرض قدرًا ضروريًا من الواقعية السياسية. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها وتحالفاتها، لا وفق عبارات الصداقة، وارتباط واشنطن الاستراتيجي بالكيان الصهيوني يضع حدودًا موضوعية لأي رهان على حيادها.
لذلك يقتضي استقلال القرار المصري تنويع العلاقات الدولية، وتعميق الروابط العربية والإفريقية والآسيوية، والانفتاح على القوى الصاعدة، وبناء أكبر قدر ممكن من الاعتماد على الذات. أما وضع معظم أوراقنا في يد قوة واحدة، فلا يصنع تحالفًا متوازنًا، بل يفتح الباب أمام الضغوط والاشتراطات والابتزاز.
أكتوبر وتحديات الحاضر
إن استدعاء أكتوبر اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى احتفال بالذاكرة وحدها، بل يجب أن يدفعنا إلى سؤال الحاضر: ما الشروط التي صنعت النصر؟ وأيها لا يزال قائمًا؟ وأيها تراجع ويحتاج إلى استعادة؟
تواجه مصر تحديات اقتصادية واجتماعية وإقليمية بالغة التعقيد. ومواجهة هذه التحديات تبدأ بتقوية الجبهة الداخلية؛ عبر توسيع فضاء الحريات، وإتاحة الحوار، والاستماع إلى النقد، وإشراك أصحاب الرأي والخبرة من مختلف الاتجاهات. فالدولة القوية لا تخشى تعدد الأصوات، وإنما تحول هذا التعدد إلى قدرة على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها.
كما تتطلب حماية الطبقات الشعبية من آثار الأزمات وارتفاع الأسعار، وإعادة الاعتبار إلى الإنتاج، وإلى الدور الاستراتيجي للدولة في القطاعات الحيوية، وعدم ترك الأمن الاجتماعي لقوى السوق وحدها. فالمواطن الذي يشعر بالأمان والعدل والانتماء هو سند لدولته، أما اتساع الفجوة الاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى، وزيادة معاناة الفقراء، فتضعف قدرة المجتمع على الصمود مهما كانت صلابة مؤسساته.
وتتطلب أيضًا سياسة خارجية متعددة البدائل، تستعيد لمصر ثقلها العربي والإفريقي، وتحمي استقلال قرارها، ولا تجعل علاقتها بأي قوة دولية بديلًا عن محيطها الطبيعي أو عن تنمية عناصر قوتها الذاتية.
لقد ختم اللواء محمود البيطار تعليقه على بوست السادس من أكتوبر بعبارة شاعرية عميقة: «إن كان شهر أكتوبر تتساقط فيه الأوراق من الأشجار، فإن أحلامنا لا تسقط أبدًا».
لكن الأحلام، كي لا تسقط، تحتاج إلى عقل يراجع ولا يكابر، ودولة عادلة تحمي مواطنيها، وشعب يشعر بأنه شريك لا متفرج، وعرب يدركون أن أمنهم واحد، وقرار وطني لا يرهن مستقبله للخارج.
إن أفضل وفاء لأكتوبر ليس الاكتفاء بإعادة تشغيل أغانيه كل عام، على ما تحمله من جمال وصدق، وإنما إعادة إنتاج شروطه: العلم والكفاءة، والعدالة والمشاركة، ووحدة الهدف واستقلال القرار. عندها لا يعود أكتوبر مجرد ذكرى مجيدة نحتفل بها، بل يصبح طاقة وطنية متجددة، وقدرة على العبور كلما واجهت مصر ساترًا جديدًا وظن الآخرون أنه لا يُقهر.

