رئيس التحرير
عصام كامل

السوشيال ميديا.. من فضاء الحوار إلى سلطة الترند

18 حجم الخط

ليست المشكلة أن يتكلم الناس؛ فهذا مكسب كبير. المشكلة أن يتحول الكلام إلى محكمة فورية، وأن تصبح المشاهدة شهادة، والانتشار دليل صحة، والصوت الأعلى بديلًا عن الفكرة الأهدأ والأكثر تماسكًا.

دخلنا عالم السوشيال ميديا باعتباره نافذة للتواصل وتبادل المعرفة، ومساحة مفتوحة للحوار بين بشر لم تكن تجمعهم صحيفة ولا شاشة ولا قاعة. كان في الأمر وعد جميل: أن يسمع الناس بعضهم، وأن تصل المعلومة أسرع، وأن يجد من لا يملك منبرًا فرصة للتعبير.

 

وهذا الوجه لا يجوز إنكاره. فوسائل التواصل منحت صوتًا لمن لا صوت لهم، وكشفت مظالم، واستنفرت نجدة، ودفعت قضايا من الهامش إلى قلب النقاش العام. كم من خطأ كان يمكن أن يمر في صمت لولا منشور، وكم من حق وجد طريقه إلى صاحبه لأن الناس انتبهوا وضغطوا وسألوا.

 

لكن السيف نفسه له حد آخر. فالأداة التي تفتح باب الحوار تستطيع أن تتحول إلى أداة هدم وصراع. والمنصة التي تكشف الخلل يمكن أن تروج له، وتمنحه جمهورًا، وتصنع من السلوك الرديء فرصة للظهور. عندها لا تعود السوشيال ميديا مرآة للمجتمع فقط؛ بل تصبح شريكًا في تضخيم أسوأ ما فيه.

 

المؤلم أن بعض ما كان ينبغي أن يخجل منه صاحبه صار طريقًا إلى الشهرة. الشتيمة تحقق انتشارًا لا يحققه رأي متزن، والمقطع المبتور يصنع حكمًا قبل أن تكتمل الرواية، والعنوان المستفز يغني عند كثيرين عن قراءة التفاصيل. ومع الوقت يتعلم البعض أن أقصر طريق إلى الحضور ليس أن يقدم معرفة، بل أن يشعل خصومة.

 

ثم تدخل اللجان الإلكترونية، على اختلاف مشغليها ومصالحها، فتضيف إلى الانفعال العفوي صخبًا منظمًا. ليست هذه اللجان لونًا واحدًا ولا جهة واحدة؛ منها السياسي، ومنها التجاري، ومنها الشخصي. لكنها تتشابه في الوظيفة: خوض معارك من يشغلها، وصناعة التأييد، ومطاردة الخصوم، وإغراق النقاش بما يحجب أصل القضية.

 

اللجنة لا تدخل الحوار لتختبر رأيًا، بل لتنتصر لتكليف. لا تسأل: هل الكلام صحيح؟ بل تسأل: من قاله، ولصالح من؟ وهكذا يتحول صاحب الرأي من محاور إلى هدف، وتتحول صفحته إلى ساحة استنزاف لا تناقش حجته بقدر ما تشكك في نيته.

 

ومن هنا يصبح الصخب والفوضى ملمحًا رئيسيًا في فضاء السوشيال ميديا. يختلط الغضب الحقيقي بالتحريض المصنوع، والتأييد الصادق بالتصفيق المنظم، حتى يصعب أحيانًا التمييز بين اتجاه الرأي العام وأثر الحشد. وليس كل اتفاق لجنة، ولا كل اعتراض مأجورًا؛ فتوزيع هذه الاتهامات بلا دليل جزء من المرض نفسه. لكن الخطأ المقابل هو اعتبار كل ضجيج تعبيرًا نقيًا عن الناس.

 

الخسارة الأكبر أن الأصوات العاقلة تتراجع. حين يصبح ثمن الكلام الهادئ حملة إساءة، يختار كثيرون الصمت اتقاءً للأذى. وبذلك تبدو حرية الكلام أوسع من أي وقت مضى، بينما تضيق القدرة الفعلية على الحوار. فالمساحة مفتوحة، نعم، لكنها كثيرًا ما تكون مفتوحة لمن يملك وقتًا أطول للخصومة لا حجة أفضل للنقاش.

 

ولا يقف أثر هذا المناخ عند المستخدمين. الأخطر أن يتسلل منطق الترند إلى مكاتب المسؤولين، فيصبح السؤال: كيف سنبدو على الشاشة؟ لا: ماذا سنصلح في الواقع؟ وتتحول الاستجابة للرأي العام إلى ملاحقة للموجة، لا إلى فهم للشكوى ومعالجة لأسبابها.

 

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة واقعة محافظ القليوبية مع مديرة المدرسة، وما تلاها من تكريم وزير التعليم. لا نحتاج إلى استعادة كل التفاصيل، فالدلالة أكبر من الواقعة. بدأ المشهد بتوبيخ أمام الكاميرا، ثم انتهى بتكريم أمام كاميرا أخرى. وبين المشهدين ضاعت الأسئلة الأهم: ماذا تحتاج المدرسة فعلًا؟ ومن المسؤول عن نقص العمال والمرافق والصيانة؟ وكيف لا يدفع التلميذ ثمن عجز الإدارة؟

 

أن يقدم المحافظ «شو» التوبيخ، ثم يرد الوزير عليه بـ«شو» التكريم، فهذه ليست إدارة دولة إذا توقفت عند حدود الصورة. قد تكون الرقابة واجبة، وقد يكون رد الاعتبار واجبًا أيضًا، لكن الدولة لا تدار بمشهد يعقبه مشهد. المدرسة لا تحتاج إلى بطولة فيديو، بل إلى ميزانية واضحة، وعمال، وصيانة، ومرافق، وآلية محاسبة لا تهين أحدًا ولا تعفي أحدًا.

 

المحاسبة لا تعني التشهير، والتكريم لا يغني عن الإصلاح. ورد الاعتبار قيمة محترمة، لكنه لا يصبح سياسة عامة بمجرد التقاط صورة. أما الإدارة الرشيدة فتبدأ من سؤال أبسط وأصعب: ما الخلل؟ من المسؤول عنه؟ وما القرار الذي يمنع تكراره؟

 

لا ينبغي أن نطالب المسؤول بتجاهل ما يقال على المنصات، بل بأن يميز بين الاستماع للناس والخضوع للضجيج. السوشيال ميديا قد تنبهه إلى مشكلة، لكنها لا تكفي وحدها لإدارة ملف. عليه أن يسمع، ويتحقق، ويعلن ما فعل، ثم يقاس أداؤه بما تغير على الأرض لا بما حصدته صوره من تفاعل.

 

وكذلك نحن، كمستخدمين، لسنا خارج المسؤولية. كل مشاركة قرار. قد نوسع بها دائرة المعرفة، وقد نضيف بها ظلمًا إلى ظلم. قد نساند صاحب حق، وقد نشارك في إعدام معنوي لإنسان لم نسمع روايته كاملة. الحرية لا تكتمل بلا ضمير، والنقد لا يحتاج إلى إهانة كي يكون قويًا.

 

السوشيال ميديا مكسب حين تجعل المجتمع أقدر على الفهم والمساءلة، وخسارة حين تجعله أسرع إلى الكراهية والتصديق والعقاب. وهي ليست خيرًا خالصًا ولا شرًا خالصًا؛ إنها أداة تكشف من نكون، ثم تمنحنا فرصة أن نكون أفضل أو أسوأ.

فلا كثرة الكلام دليل على وجود حوار، ولا ارتفاع الصوت دليل على حضور الحقيقة. والدولة التي تنشغل بكسب التصفيق قد تربح الترند، لكنها تخسر الوقت الذي كان ينبغي أن تنفقه في خدمة الناس.

الجريدة الرسمية