رئيس التحرير
عصام كامل

عبد الناصر.. خارج أناشيد المديح ولوائح الاتهام

18 حجم الخط

بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، لا يزال جمال عبد الناصر يدخل أي نقاش مصري كأنه غادر مكتبه منذ ساعات. أنصاره يستدعون صورته بين الفلاحين والعمال، وخصومه يستحضرون السجون وهزيمة يونيو. هؤلاء يصنعون منه قديسًا لا يخطئ، وأولئك يختزلون تجربته في مستبد قاد البلاد إلى الكارثة. وبين أناشيد المديح ولوائح الاتهام تضيع واحدة من أكثر تجارب مصر الحديثة ثراءً وتعقيدًا.

 

الموضوعية هنا لا تعني أن نضع السد العالي في كفة والمعتقلات في كفة، أو أن نوزع السطور بالتساوي بين المناقب والخطايا؛ فالتاريخ ليس ميزان بقالة. الموضوعية أن نضع كل إنجاز في سياقه، ونقيس كل خطأ بحجمه، ونميز بين عدالة المشروع وكفاءة إدارته، وبين نزاهة القائد وسلامة النظام الذي أقامه.

لذلك لا يفيدنا كثيرًا السؤال المستهلك: هل كان عبد الناصر بطلًا أم مستبدًا؟ السؤال الأهم: ماذا أنجز مشروعه؟ ولماذا أخفق في حماية نفسه؟ وما الذي بقي منه صالحًا للمستقبل، وما الذي ينبغي ألا يتكرر؟

مشروع الاستقلال

لم يكن عبد الناصر مجرد رئيس حكم مصر ثمانية عشر عامًا، وإنما كان تعبيرًا عن لحظة تاريخية أرادت فيها البلاد الخروج من أسر الاحتلال والتبعية والامتيازات الأجنبية. كانت مصر قبل يوليو 1952 تملك دستورًا وأحزابًا وبرلمانًا، لكنها كانت أيضًا تحت النفوذ البريطاني، يتحكم كبار الملاك في جانب واسع من الأرض والثروة، وتبقى حركة الحكم محكومة بصراع القصر والاحتلال والنخب السياسية.

 

جاءت يوليو فأنهت الملكية، وتحول عبد الناصر تدريجيًا إلى قائدها وصاحب مشروعها. تحقق جلاء القوات البريطانية، ثم جاء تأميم شركة قناة السويس عام 1956 ليعلن أن السيادة ليست علمًا ونشيدًا، بل قدرة على امتلاك القرار والثروة الوطنية.

 

تعرضت مصر بعد التأميم للعدوان الثلاثي. لم يكن الأداء العسكري المصري في تلك الحرب انتصارًا، لكن صمود الشعب والمقاومة في مدن القناة، إلى جانب الظروف الدولية التي أجبرت بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني على الانسحاب، حوّلت المعركة إلى انتصار سياسي رفع مكانة مصر وعبد الناصر في العالم العربي وحركات التحرر.

 

منذ تلك اللحظة لم يعد عبد الناصر رئيس دولة فحسب، بل صار رمزًا لإمكان أن تقول دولة خرجت لتوها من الاحتلال «لا» للقوى الاستعمارية الكبرى، وأن تتحمل ثمن موقفها.

امتد هذا الدور إلى دعم حركات التحرر، وفي مقدمتها الثورة الجزائرية، والانحياز إلى قضايا أفريقيا، والمشاركة في تأسيس حركة عدم الانحياز، والدفاع عن حق الدول المستقلة حديثًا في ألا تتحول إلى توابع للمعسكرين الأميركي والسوفييتي.

 

قد يدفعنا نقد التجربة إلى الاعتراض على بعض سياساتها، لكنه لا يلغي أن مصر في عهد عبد الناصر أصبحت فاعلًا دوليًا يتجاوز وزنها الاقتصادي والعسكري، وأن القاهرة كانت مركزًا لحركات تحرر رأت في استقلال مصر سندًا لاستقلالها.

عدالة غيّرت وجه المجتمع

لم تأت قوة التجربة الناصرية من الخطابة وحدها، بل من انحياز اجتماعي واضح إلى الفقراء والطبقة الوسطى الصاعدة. جاء الإصلاح الزراعي ليضرب نفوذ كبار الملاك ويوزع جانبًا من الأرض على صغار الفلاحين. واتسع التعليم المجاني، وفتحت الجامعات أبوابها لأبناء القرى والأحياء الشعبية، وأصبحت الوظيفة العامة طريقًا إلى الصعود الاجتماعي لمن لم يرث مالًا أو نفوذًا.

 

لم يخترع عبد الناصر مجانية التعليم من الصفر، كما لم يبدأ التصنيع في مصر من فراغ، لكنه وسّع هذه السياسات وحولها إلى مشروع دولة. نشأ قطاع عام واسع، وأقيمت صناعات ثقيلة وتحويلية، وبُني السد العالي، واتسعت شبكات الكهرباء والخدمات، وأصبحت الدولة مسؤولة، بدرجات متفاوتة، عن التعليم والعلاج والعمل والسكن ودعم السلع الأساسية.

 

للمرة الأولى شعر ملايين المصريين بأن الدولة لا تخص طبقة بعينها، وأن ابن الفلاح أو العامل يستطيع أن يدخل الجامعة ويصبح طبيبًا أو مهندسًا أو ضابطًا أو قاضيًا. لم تختف الفوارق الطبقية، ولم تتحقق الاشتراكية كما بشرت بها الخطب، لكن بنية المجتمع تغيرت، واتسعت طبقته الوسطى، وانكسرت قبضة الأرستقراطية القديمة على الثروة والمكانة الاجتماعية.

 

وحملت التجربة داخلها بذور مشكلاتها أيضًا. اتسع الجهاز البيروقراطي، واختلطت العدالة الاجتماعية أحيانًا بالتوظيف غير المنتج، وتحولت ملكية الدولة في بعض المجالات إلى إدارة مثقلة بالمركزية وضعف المحاسبة. كما أضرت قرارات التأميم المتعجلة ببعض الأنشطة الاقتصادية، ولم ينجح النظام دائمًا في التمييز بين رأس المال المنتج ورأس المال الاحتكاري.

 

لكن الحكم على التجربة لا يكون بمقارنتها بنموذج مثالي لم يوجد، بل بمقارنة المجتمع قبلها بما أصبح عليه بعدها. ووفق هذا المعيار، أحدثت الناصرية تحولًا اجتماعيًا حقيقيًا، وإن عجزت عن تطويره إلى نموذج اقتصادي أكثر كفاءة واستدامة.

حين أكلت السلطة السياسة

هنا نصل إلى المأزق الأكبر في تجربة عبد الناصر: لقد أراد بناء دولة قوية، لكنه أضعف المجال السياسي الذي كان يفترض أن يراقب هذه الدولة ويصحح مسارها.

حُلّت الأحزاب، وضاقت حرية الصحافة، وتحولت التنظيمات السياسية المتعاقبة إلى أذرع للسلطة أكثر منها تعبيرًا حرًا عن المجتمع. تعرض الإخوان المسلمون والشيوعيون وغيرهم للاعتقال والقمع، وشهدت السجون انتهاكات لا يمكن تبريرها بمواجهة المؤامرات أو حماية الثورة.

 

صحيح أن قوى سياسية عدة دخلت في صراع على السلطة، وأن مصر كانت تواجه احتلالًا ومؤامرات وصراعات اجتماعية حادة، لكن وجود الخصوم لا يمنح الحكم حق إغلاق المجال العام أو إخضاع المجتمع لأجهزة الأمن. فالدولة التي تسكت معارضيها تفقد معهم أجهزة الإنذار المبكر التي تنبهها إلى أخطائها.

 

كان عبد الناصر يتمتع بشعبية حقيقية، وكان انحيازه الاجتماعي ونزاهته الشخصية وقدرته الاستثنائية على مخاطبة الناس مصادر فعلية لشرعيته. لكنه اعتمد على العلاقة المباشرة بين الزعيم والجماهير أكثر مما اعتمد على مؤسسات مستقلة. صار صوت القائد أعلى من أصوات المؤسسات، وتحولت المشاركة السياسية إلى تأييد، والمحاسبة إلى ولاء، والسياسة من نشاط يمارسه المجتمع إلى قرارات تصنعها السلطة.

 

وهنا تكمن مفارقة التجربة: حرر عبد الناصر قطاعات واسعة من المصريين اجتماعيًا، لكنه لم يمنحهم القدر نفسه من الحرية السياسية. فتح أمامهم أبواب الجامعة والعمل، وأغلق أمامهم أبواب التنظيم المستقل وتداول السلطة. كان مشروعه متقدمًا في الاستقلال والعدالة، ومتأخرًا في الديمقراطية وبناء المؤسسات.

يونيو.. فاتورة الدولة المغلقة

كانت هزيمة يونيو 1967 اللحظة التي دفعت فيها مصر ثمن غياب الرقابة والمحاسبة. لم تكن الهزيمة مجرد نتيجة لتفوق عسكري لدى العدو، بل كانت أيضًا حصيلة خلل عميق في بنية القيادة، وتضارب مراكز القوة، وتقديم الثقة الشخصية على الكفاءة، ووجود مؤسسة عسكرية تضخمت داخلها سلطة المشير عبد الحكيم عامر بعيدًا عن الرقابة الفعلية.

 

يتحمل عبد الناصر المسؤولية السياسية عن الهزيمة بوصفه رئيس الدولة وصاحب القرار الأعلى. ولا يجوز إعفاؤه منها بإلقاء العبء كله على عامر أو القيادات العسكرية؛ فمن اختار الرجال، وسمح بازدواج السلطة، وأبقى منظومة عاجزة عن محاسبة نفسها، يتحمل نتيجة اختياراته.

 

كانت الهزيمة أكثر من خسارة جيش وأرض؛ كانت انهيارًا مدويًا للثقة في نظام بنى جانبًا كبيرًا من شرعيته على القدرة والقوة. ومع ذلك، لا تكتمل الصورة من دون النظر إلى ما جرى بعدها.

أعلن عبد الناصر تحمله المسؤولية وتنحيه، ثم عاد بعد خروج جماهيري واسع يطالبه بالبقاء. وبدأت إعادة بناء القوات المسلحة على أسس أكثر مهنية، وانطلقت حرب الاستنزاف التي استعادت للجندي المصري جانبًا كبيرًا من ثقته، ومهدت لما تحقق في أكتوبر 1973.

 

تكشف هذه المرحلة وجهي التجربة معًا: قائد أخفق إخفاقًا جسيمًا، لكنه لم يهرب من المسؤولية، ودولة استطاعت أن تبدأ إعادة بناء نفسها. غير أن الإصلاح السياسي الذي وعد به بيان الثلاثين من مارس ظل أقل كثيرًا مما كانت تحتاج إليه البلاد.

الحلم العربي وحدود القدرة

حمل عبد الناصر مشروعًا عربيًا واسعًا، ورأت فيه شعوب كثيرة قائدًا لمعركة التحرر والوحدة. لكن الانتقال من الحلم إلى بناء دولة عربية موحدة كشف عيوب المركزية نفسها. فشلت الوحدة مع سوريا لأن إدارتها لم تستوعب تنوع المجتمع السوري وحساسياته السياسية والاقتصادية، ولأنها أُديرت من مركز واحد أكثر مما بُنيت كشراكة بين مجتمعين.

 

وفي اليمن دخلت مصر حربًا استنزفت جانبًا من قدراتها، واختلط فيها دعم ثورة وطنية بحسابات صراع إقليمي طويل. لم تكن العروبة خطأ، ولا مساندة حركات التحرر مغامرة بلا معنى، لكن اتساع الطموح تجاوز أحيانًا قدرة الدولة على إدارة جبهاتها ومواردها.

كانت مصر كبيرة بدورها، لكنها دفعت ثمنًا حين لم تضع حدودًا واضحة بين القيادة العربية وتحمل أعباء الآخرين، وبين التضامن المشروع والانخراط المفتوح في صراعات لا تملك وحدها حسمها.

 

لماذا بقي حاضرًا؟

بقي عبد الناصر لأن الأسئلة التي حملها مشروعه لم تمت: كيف تمتلك مصر قرارها؟ كيف تبني اقتصادًا ينتج ولا يعيش على الديون؟ كيف تمنع احتكار الثروة؟ كيف يحصل الفقير على تعليم وعلاج وفرصة عمل تحفظ كرامته؟ وكيف يصبح لمصر دور عربي وأفريقي ودولي يناسب تاريخها وموقعها؟

 

وبقي أيضًا لأن كثيرًا ممن هدموا نموذجه لم يقدموا بديلًا أكثر عدلًا أو استقلالًا. تراجعت بعض أخطاء القطاع العام، لكن ظهرت احتكارات خاصة أشد قسوة. تقلصت سلطة الدولة الاقتصادية من دون أن تتسع بالقدر نفسه حرية المواطن السياسية. وتراجع الخطاب القومي، لكن التبعية لم تتراجع معه.

 

لهذا ظل الناس يقارنون بين حاضر يشعرون فيه بالهشاشة، وماضٍ يتذكرون منه الكرامة والحماية الاجتماعية. وقد تكون الذاكرة انتقائية، لكنها لا تتعلق بالماضي وحده؛ إنها أيضًا طريقة للاحتجاج على الحاضر.

 

غير أن الوفاء لعبد الناصر لا يكون بتحويله إلى أيقونة معصومة، ولا بمحاولة استنساخ تجربته بعد تغير العالم. فما يصلح من الناصرية للمستقبل هو الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والانحياز إلى الإنتاج، والإيمان بدور مصر العربي، ورفض أن تتحول الدولة إلى وكيل للمصالح الأجنبية أو حارس لامتيازات الأثرياء.

 

أما ما ينبغي تجاوزه فهو دولة الصوت الواحد، وتغول الأجهزة، وغياب المحاسبة، وربط المؤسسات بشخص القائد، مهما بلغت شعبيته أو نزاهته.

نجح عبد الناصر في بناء دولة قادرة على تعبئة المجتمع وتحقيق إنجازات كبرى، لكنه لم ينجح في بناء نظام سياسي قادر على حماية المشروع من أخطائه ومن خلفائه. ولهذا أمكن بعد رحيله تفكيك جانب كبير من سياساته وتغيير اتجاه الدولة، من دون مقاومة مؤسسية توازي حجم التحول.

لم يكن عبد الناصر ملاكًا ولا شيطانًا. كان قائدًا وطنيًا استثنائيًا حمل مشروعًا كبيرًا، وأنجز كثيرًا، وأخطأ كثيرًا، ودفع هو ومصر أثمانًا باهظة لبعض أخطائه. كان أكبر من أن يُختزل في صورة معلقة على جدار، وكانت أخطاؤه أخطر من أن تغطيها الهتافات.

وبين الذين يريدون تحنيطه في مقام القداسة، والذين يصرون على اغتياله كل يوم بعد موته، تبقى خلاصة التجربة أشد حضورًا من الفريقين: لا استقلال بلا إنتاج، ولا عدالة اجتماعية بلا حرية سياسية، ولا دولة قوية من دون مؤسسات أقوى من حكامها.

الجريدة الرسمية