رئيس التحرير
عصام كامل

انتخابات التجديد النصفي تكشف تصدع "الترامبية" وانهيار تحالفات إبستين وإيلون ماسك.. "ذا جارديان": عامان من العار يلاحقان ترامب.. واليسار بقيادة ساندرز يرسم ملامح 2028

انتخابات التجديد
انتخابات التجديد النصفي أصابت الترامبية في مقتل - ذا جارديان
18 حجم الخط

عندما عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، قال أحد كبار المصرفيين لجريدة "فاينانشال تايمز" البريطانية: "الآن أشعر بالتحرر؛ حيث يمكننا الآن استخدام ألفاظ نابية ومهينة دون خوف من التعرض للإلغاء أو الإقصاء الاجتماعي.. إنه فجر جديد"، في إشارة إلى أن عودة ترامب تعني أن القواعد القديمة للسياسة، وحتى قواعد اللياقة في التعامل اليومي، قد أصبحت شيئا من الماضي، دهستها عجلة الأحداث.

كان العيش في ظل ذلك "الفجر الجديد" أمرا مبهجا، لكنه كان بمثابة "النعيم المطلق" بالنسبة للمليارديرات، وأباطرة التكنولوجيا الذين وجدوا في ترامب سياسيا يمتلك قدرة سحرية على بناء تحالف دائم بينهم وبين الطبقة العاملة الأمريكية، وفق مقال رأي نشره الكاتب الصحفي البريطاني ذو الأصول الهندية أديتيا تشاكرابورتي على صفحات جريدة "ذا جارديان" البريطانية.

كان هذا هو جوهر "الترامبية" التي أبهرت اليمينيين حول العالم، وجعلت الكل يطرح السؤال الصعب: كيف استطاع ترامب الجمع بين العمال الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور وبين النخبة التي تشكل 1% من السكان؛ وبين الناخبين من أصول لاتينية أو سود البشرة وبين أولئك الذين لا يجدون حرجا في ممارسة قدر من العنصرية؛ وبين كارهي ملياردير الجنس الأمريكي جيفري إبستين وبين الطبقة التي ينتمي إليها إبستين نفسه!

معاناة الأمريكيين العاديين في توفير أساسيات الحياة

يقول تشاكرابورتي:  نظر كل من "وادي السيليكون" و"وول ستريت" ومالكي وسائل الإعلام في الساحل الشرقي إلى "الترامبية" باعتبارها تحول في الثقافة برمتها؛ أي كنزعة عامة نحو اليمين. لكنهم كانوا مخطئين؛ فقد جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي جرت الثلاثاء لتشكل رفضا شاملا للرئيس. فقبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ضخ مانحون فاحشو الثراء -مثل إيلون ماسك- مليارات الدولارات لدعم حلفاء ترامب، إلا أن القاعدة الشعبية المكونة من الطبقتين العاملة والوسطى لم تكن مستجيبة لذلك. وهكذا، تداعى التحالف -الذي تشكل حديثا نسبيا وأوصل ترامب إلى البيت الأبيض- تحت وطأة صراعات طبقية تقليدية.

دونالد ترمب إلى جوار ملياردير الجنس جيفري إبستين
دونالد ترامب إلى جوار ملياردير الجنس جيفري إبستين

ويرى الكاتب في مقاله أن معاناة الأمريكيين العاديين في توفير أساسيات الحياة باتت "قضية قائمة بذاتها" في استطلاعات الرأي، ما يعني أننا أمام تجسيد واضح للصراع الطبقي"، مضيفا: إنه رد فعل على أسعار الوقود القياسية في مجتمع يعتمد كليا على السيارات، وعلى التقلبات الحادة في أسعار كل شيء -بدءا من البيض وصولا إلى اللحوم- فضلا عن الصعوبات اليومية في دفع الإيجار. وقد يميل البعض -بمن فيهم أطراف داخل المؤسسة الديمقراطية- إلى استخدام مصطلحات ملطفة مثل "قضايا اقتصادية" أو "القدرة على تحمل التكاليف"؛ لكن تجدر الإشارة إلى أنه في مثل هذا الوقت من العام الماضي، نجح الاشتراكي الديمقراطي زهران ممداني في تحويل مفهوم "القدرة على تحمل التكاليف" من مجرد شعار متداول إلى برنامج انتخابي ناجح. ومع اقتراب أواخر عام 2026، ومع التمهيد للمعركة القادمة على البيت الأبيض، بات عمدة نيويورك يتمتع بنفوذ يتجاوز حدود مدينته ليصل إلى المستوى الوطني.

تفاوت طبقي صارخ لا يعرف الخجل

وبحسب المقال، فإن السمة الأكثر بروزا في حقبة "اقتصاديات ترامب" تمثلت في التفاوت الطبقي الصارخ الذي لا يعرف الخجل"، قائلا: تعتمد الدولة التي يصفها الرئيس بأنها "الأكثر ازدهارا في العالم" على الذكاء الاصطناعي لتحقيق نموها. ففي النصف الأول من عام 2025، قدر جيسون فورمان، الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد، أن الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي شّل 92% من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. غير أن هذه المكاسب -التي يفترض أنها وطنية- يستحوذ عليها عدد ضئيل من الأفراد والصناديق الاستثمارية، يتركز معظمهم في شريط جغرافي واحد على الساحل الغربي للولايات المتحدة.

مليارات إيلون ماسك ورفاقه لم تنجح في تبييض صورة الجمهوريين
مليارات إيلون ماسك ورفاقه لم تنجح في تبييض صورة الجمهوريين

ويضيف تشاكرابورتي: مليارات الدولارات تذهب إلى شركاء "وادي السيليكون". أما من دونهم، بلا يحصلون سوى على الفتات. وقد تجلت أبعاد هذا المشهد السياسي بوضوح في ولاية تكساس، التي تحولت ليلة الثلاثاء من اللون الأحمر (الجمهوري) إلى الأزرق (الديمقراطي)، رغم أن الحزب الجمهوري في الولاية تلقى دعما بقيمة ربع مليار دولار من شخص واحد فقط هو إيلون ماسك. 

تقسيم على أساس العرق والجنس والدين

وتعد تكساس -بحسب تشاكرابورتي- مقرا لأحد أباطرة الذكاء الاصطناعي وقاعدة حيوية لأعماله؛ ومن المتوقع أن تصبح خلال السنوات القليلة المقبلة المركز الرئيسي لمراكز البيانات في الولايات المتحدة. ففي غضون عامين فقط، ينتظر أن توفر الولاية أكثر من ربع القدرة الحاسوبية الجديدة المخصصة لصناعة الذكاء الاصطناعي. 

الديمقراطي جيمس تالاريكو يتحدث بعد فوزه في انتخابات التجديد النصفي في أوستن بولاية تكساس
الديمقراطي جيمس تالاريكو يتحدث بعد فوزه في انتخابات التجديد النصفي في أوستن بولاية تكساس

وعلى الرغم من ذلك، فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو في الانتخابات قائلا عقب فوزه: "المعركة الحقيقية في هذا البلد ليست بين اليسار واليمين، بل هي بين القمة والقاعدة. فالذين في القمة يفرقوننا على أساس الحزب، أو العرق، أو الجنس، أو الدين، أو الثقافة، كي لا نلاحظ أنهم يسرقوننا. لكننا وجهنا الليلة رسالة بالغة الوضوح إلى أولئك الذين في القمة: لن نهزم".

الديمقراطيون تعلموا الدرس

يؤكد الكاتب في مقاله أن "الديمقراطيين -الذين لفتوا الأنظار على المستويين الوطني والعالمي هذا الخريف- تعلموا الدرس بفضل طرحهم الأكثر جرأة وقوة في مناهضة الظلم الفادح الذي يفتك بحياة الناس في الولايات المتحدة، ودعوتهم إلى نهج سياسي أفضل. وهو تماما ما فعله عمدة نيويورك زهران ممداني. فقد فاز تروي جاكسون في ولاية مين ببرنامج انتخابي يدعو إلى إلغاء "إدارة الهجرة والجمارك"، بينما خاض عبد الرحمن السيد غمار المنافسة في ميشيجان، متعهدا بتوفير نظام رعاية صحية شامل للجميع.

وتشير هذه النتائج إلى مستقبل جديد للحزب الديمقراطي، وفق تشاكرابورتي، مضيفا: إنه مستقبل قائم على محاربة الفساد، ورفض الحروب، والتصدي لهيمنة المليارديرات. في حقبة بيل وهيلاري كلينتون، كان من المستحيل تبني هذا التوجه الذي كان يصنف باعتباره يساريا متطرفا. لكن صدقوني: أي ديمقراطي يطمح للترشح في انتخابات عام 2028، سيكون خطابه أقرب بكثير إلى نهج بيرني ساندرز (قطب اليسار الأمريكي).

وينهي الكاتب مقاله بالقول: في الوقت الراهن، يمكننا أن نبتهج لأن شخصا فاسدا ومتنمرا يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية، يتجه نحو عامين من العار؛ حيث سيعامل -حتى وهو في سدة الحكم- كشخص فقد أهميته وتجاوزه الزمن. وتذكروا دائما أنه عندما يزعم السياسيون والصحفيون أنه لا يوجد بديل أفضل من ذلك الهراء اليميني المعتاد، فإنهم غالبا ما يكونون على خطأ. لقد قال ترامب ذات مرة: "يمكنني الوقوف في منتصف الجادة الخامسة (منطقة شهيرة في مانهاتن بمدينة نيويورك)، وإطلاق النار على شخص ما، ولن أفقد أيا من الذين انتخبوني". لكن انتخابات الثلاثاء أكدت أن ذلك أمرا غير قابل للتصديق.

الجريدة الرسمية