رئيس التحرير
عصام كامل

من واشنطن إلى البورصات العالمية.. كيف أعادت انتخابات الكونجرس رسم خريطة الرابحين والخاسرين في الأسواق؟.. التكنولوجيا والدولار تحت الضغط والذهب يقفز

الذهب والدولار
الذهب والدولار
18 حجم الخط

تراجعت حدة خسائر الأسواق العالمية مع إعادة المستثمرين تقييم تداعيات سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس الأمريكي، وما قد تفرضه من قيود على الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب، خاصة فيما يتعلق بخفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية والتوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي.

وأثارت نتائج الانتخابات حالة من الارتباك في الأسواق المالية، بعدما تعرضت أسهم التكنولوجيا الآسيوية والدولار لضغوط بيعية في بداية التعاملات، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، وسط اتجاه المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالجمود السياسي المحتمل في واشنطن. 

ورغم أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس قد تفتح الباب أمام تشديد الرقابة على بعض السياسات الاقتصادية لإدارة ترامب، فإن امتلاك الرئيس الأمريكي حق النقض الرئاسي «الفيتو» يحد من قدرة المشرعين على تمرير تغييرات جوهرية في أجندته، وهو ما ساهم في تقليص خسائر عدد من أسواق الأسهم الآسيوية.

وتوزعت انعكاسات المشهد السياسي الأمريكي على مجموعة من الأسواق والقطاعات، بدءا من التكنولوجيا والطاقة النظيفة، مرورا بالدولار والسندات والعملات المشفرة، وصولا إلى النفط والمعادن النفيسة والصناعية.

الذكاء الاصطناعي في مقدمة القطاعات المتأثرة

جاء قطاع التكنولوجيا في مقدمة القطاعات المتأثرة بنتائج الانتخابات، مع تصاعد المخاوف من اتجاه الكونجرس إلى تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا ومشروعات إنشاء مراكز البيانات، وهو ما قد ينعكس على وتيرة التوسع في البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حجم الإنفاق على مراكز البيانات، ومدى جدوى الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، فضلا عن تأثيرها على استهلاك الطاقة وشبكات الكهرباء.

الضغوط على أسواق الأسهم الآسيوية

وانعكست الضغوط على أسواق الأسهم الآسيوية، حيث تصدر مؤشر «نيكاي 225» الياباني التراجعات، بعدما فقد نحو 5% قبل أن يقلص خسائره، فيما محا مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي جانبًا كبيرًا من تراجعه الذي بلغ 4%، كما تراجع سهما «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» بنحو 1% لكل منهما، بينما قلص مؤشر «تايكس» التايواني خسائره إلى نحو 0.8%.

أسهم شركات الطاقة النظيفة

على الجانب الآخر، اتجهت الاستثمارات إلى أسهم شركات الطاقة النظيفة، وسط رهانات على أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس قد تعرقل بعض الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد مشروعات الطاقة المتجددة، أو تحد من فرص توسيع نطاقها، حيث ارتفعت أسهم شركات الطاقة الشمسية والبطاريات وشبكات الكهرباء، خاصة الشركات الآسيوية التي تمتلك استثمارات أو أنشطة مرتبطة بالسوق الأمريكية.

وسجل سهم «هانوا سوليوشنز» الكورية الجنوبية ارتفاعا وصل إلى 22%، فيما صعد سهما «إتش دي هيونداي إنرجي سوليوشنز» و«أو سي آي هولدينجز» بنسب تجاوزت 12% لكل منهما، وامتدت المكاسب إلى الشركات الأمريكية، حيث ارتفع سهما «إنفيس» و«سولار إيدج تكنولوجيز» بنحو 12%، بينما صعد «فيرست سولار» بنسبة 11%، و«سن رن» بنحو 8.7%.

وتعكس هذه التحركات مدى حساسية قطاع الطاقة النظيفة للتغيرات السياسية والتشريعية في الولايات المتحدة، باعتبارها من الأسواق الرئيسية المؤثرة في توجهات الاستثمار العالمي بهذا القطاع.

تراجع الدولار أمام جميع العملات

امتدت تداعيات نتائج الانتخابات إلى سوق العملات، حيث تراجع الدولار أمام جميع عملات مجموعة العشر، في ظل مخاوف من أن يؤدي الجمود السياسي المحتمل في واشنطن إلى تقليص جاذبية الأصول الأمريكية، خاصة إذا انعكست القيود التنظيمية على استثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سلبا على توقعات النمو.

وهبط مؤشر «بلومبرج للدولار» بنسبة وصلت إلى 0.4%، مسجلا أكبر تراجع له خلال شهر، بينما ارتفع الفرنك السويسري والين الياباني مع زيادة توجه المستثمرين نحو العملات التي ينظر إليها باعتبارها ملاذات آمنة نسبيا.

وفي سوق الدين، ارتفعت سندات الخزانة الأمريكية، مع تراجع العوائد على مختلف آجال الاستحقاق، مدفوعة بتوقعات أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس إلى الحد من قدرة ترامب على تنفيذ خططه المتعلقة بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق، وتراجعت عوائد السندات الأمريكية لأجل خمس سنوات بنحو 9 نقاط أساس إلى 4.68%، كما انخفضت عوائد السندات لأجل عشر سنوات بنحو 7 نقاط أساس إلى 4.89%، قبل أن تقلص جانبًا من خسائرها.

وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين بدأوا في إعادة تسعير احتمالات التوسع المالي الأمريكي، وما قد يترتب عليه من زيادة الاقتراض الحكومي وتغير مستويات العجز والدين العام.

العملات المشفرة تتعرض لضغوط بيعية

لم تكن العملات المشفرة بمنأى عن تداعيات الانتخابات، إذ تعرضت لضغوط بيعية بالتزامن مع تراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، وسط تساؤلات بشأن فرص تمرير التشريعات التي تحظى بدعم إدارة ترامب، حيث تراجعت بيتكوين بنسبة وصلت إلى 2.8%، لتهبط دون مستوى 76 ألف دولار، كما سجلت عملة «سولانا» انخفاضًا، قبل أن تستعيد العملات المشفرة جانبًا من خسائرها.

وجاءت هذه التحركات في وقت تواجه فيه السوق ضغوطا إضافية مرتبطة بخروج تدفقات استثمارية من صناديق «بيتكوين» المتداولة، فضلا عن تداعيات الاختراق الأمني الذي تعرضت له منصة «باينانس».

وكان ترامب قد تبنى مواقف داعمة لصناعة الأصول الرقمية، متعهدا بتحويل الولايات المتحدة إلى مركز عالمي للعملات المشفرة، وإنشاء احتياطي استراتيجي من «بيتكوين»، إلى جانب تخفيف القيود التنظيمية المفروضة على القطاع.

النفط يواصل التراجع عالميا

في سوق الطاقة، حافظت أسعار النفط على تراجعاتها الأخيرة، وسط متابعة المستثمرين لاحتمالات استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب على ذلك من تهدئة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وتداول خام برنت قرب مستوى 104 دولارات للبرميل، وهو ما يوفر متنفسا نسبيا للاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة، بعد فترة من الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الخام.

وتظل السياسة الخارجية الأمريكية أحد العوامل المؤثرة في اتجاهات سوق النفط، خاصة أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس قد تزيد الضغوط السياسية على إدارة ترامب بشأن الحرب، دون أن تمنح المشرعين سلطة مباشرة لتحديد القرارات العسكرية أو السياسة الخارجية، وبالتالي تظل أسعار النفط رهينة توازن معقد بين التطورات السياسية والدبلوماسية ومستويات الإمدادات العالمية، مع انعكاسات مباشرة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الهند وعدد من الاقتصادات الآسيوية.

الذهب والنحاس أمام الضغوط البيعية

على صعيد المعادن، اختلف أداء الذهب عن النحاس، بعدما اتجه المستثمرون إلى زيادة حيازاتهم من المعدن الأصفر، بينما تعرض النحاس لموجة من الضغوط مع تراجع الإقبال على الأصول المرتبطة بالنمو الصناعي.

وهبطت أسعار النحاس بنسبة وصلت إلى 1.5%، مع إعادة تقييم المستثمرين لتوقعات الطلب المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي والتوسع في إنشاء مراكز البيانات وشبكات الكهرباء، كما أعادت الانتخابات فتح النقاش بشأن مستقبل الرسوم الجمركية التي اقترح ترامب فرضها على النحاس المكرر، والتي ساهمت في تحويل كميات كبيرة من المعدن إلى الولايات المتحدة، ودعمت ارتفاع الأسعار خلال الفترة السابقة.

في المقابل، ارتفعت أسعار الذهب بنسبة وصلت إلى 2.6%، متجاوزة مستوى 4 آلاف دولار للأونصة، مع توجه المستثمرين إلى المعدن النفيس باعتباره أداة للتحوط من المخاطر السياسية والاقتصادية.

وتعكس هذه التحركات تباين رهانات المستثمرين بين المعادن الصناعية المرتبطة بتوقعات النمو والاستثمار، والمعادن النفيسة التي تستفيد عادة من ارتفاع مستويات عدم اليقين.

الأسواق العالمية أمام اختبار جديد

تكشف استجابة الأسواق لنتائج الانتخابات الأمريكية أن تأثير السياسة لم يعد مقتصرا على أسواق العملات والسندات، بل امتد إلى قطاعات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والعملات الرقمية والمعادن، وفي الوقت الذي يحاول فيه المستثمرون تحديد مدى قدرة الكونجرس على تقييد أجندة ترامب، تظل الأسواق أمام معادلة معقدة تجمع بين احتمالات تغير السياسات الاقتصادية، ومستقبل الإنفاق الحكومي، واتجاهات الاستثمار التكنولوجي، والتوترات الجيوسياسية.

الجريدة الرسمية