رئيس التحرير
عصام كامل

عبير قواس.. فتاة الأرض وسيدة البدايات والنهايات.. من وجع فلسطين وإبادة غزة وسجن الأب إلى اختراق أسوار السياسة الأمريكية.. مبادرات "ليس بأموالنا" و"الاشتراكيون الديمقراطيون" شاركتها رحلة الصعود

عبير قواس الفائزة
عبير قواس الفائزة بعضوية مجلس شيوخ ولاية نيويورك
18 حجم الخط

ظن العالم أن حكاية غزة قد انتهت، وأن ما خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية من وجع ودمار سيظل حبيس الذاكرة، لكن الأساطير الإنسانية التي تصنعها المعاناة خلقت لتبقى محلقة، وكانها تلامس السماء بأطراف أصابعها، حتى وإن انطلقت من تحت الركام. فمن بين أنقاض القطاع المحاصر منذ 7 أكتوبر 2023، تخرج قصص جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتؤكد أن الألم قد يتحول إلى بداية لقصة جديدة.

وهكذا بدا فوز الأمريكية ذات الأصول الفلسطينية عبير قواس في الانتخابات التي جرت في 3 نوفمبر 2026، بمقعد الدائرة الثانية عشرة في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، بعدما حصدت نحو 75% من الأصوات، لتصبح أول أمريكية من أصل فلسطيني وأول امرأة مسلمة محجبة تصل إلى هذه الهيئة التشريعية في الولاية، في سابقة تحمل دلالات تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية.

مبادرة "ليس بأموالنا"

بملامح عربية أصيلة، وغطاء رأس بسيط، ووجه لا يخلو من ابتسامة لافتة تعارك الألم، دخلت قواس السباق الانتخابي، في الدائرة الثانية عشرة في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، بخطاب صريح في معارضته للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، وحرب الإبادة على غزة، وداعم بقوة لحقوق المهاجرين الفلسطينيين في الولايات المتحدة.

ولم تكن مواقف قواس وليدة حملتها الانتخابية، بل امتدادا لنشاطها الحقوقي السابق، الذي شمل مشاركتها في تطوير مبادرة "ليس بأموالنا"، الهادفة إلى منع المؤسسات غير الربحية المسجلة في نيويورك من توظيف أموالها في تمويل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين. ومن هذه الزاوية، بدت قواس وكأنها جناح سياسي ثان لعمدة نيويورك زهران ممداني، الذي شاركها تأسيس المبادرة، ورفيق رحلتها في نقل المواقف المناهضة للسياسات الإسرائيلية من ساحات النشاط الحقوقي إلى قلب المؤسسات السياسية الأمريكية.

الناخبون العرب ومشاركة فاعلة في الانتخابات الأمريكية
الناخبون العرب ومشاركة فاعلة في الانتخابات الأمريكية

تحكي قواس قصة مبادرة "ليس باموالنا" قائلة: عملت قبل سنوات مع ممداني -الذي كان يشغل حينها منصب عضو في مجلس ولاية نيويورك- للمساعدة في صياغة وطرح مشروع قانون يحمل عنوان "ليس بأموالنا". لقد اكتشفنا، بصفتنا نشطاء فلسطينيين على الأرض، أن ملايين الدولارات تجمع في ولاية نيويورك لتمويل كيانات استيطانية، ولتمويل مستوطنين يتوجهون إلى فلسطين لسرقة الأراضي الفلسطينية، وارتكاب فظائع وأعمال عنف ضد الفلسطينيين. ورأينا أنه من غير المقبول أن تقوم هذه المنظمات بجمع الأموال لهذا الغرض تحت غطاء "العمل الخيري". وقد طرحنا هذا الأمر في ولاية نيويورك من خلال ممثلين اشتراكيين في مناصبهم، وهما عضو مجلس الولاية آنذاك زهران ممداني، والسيناتور جاباري بريسبورت.

وتتابع: عندما طرحنا مشروع القانون، ظن الكثيرون -بمن فيهم أشخاص أخبروا ممداني بذلك مباشرة- أن هذه الخطوة ستكون نهاية مسيرته الساسية. لكن ما رأيناه خلال انتخابات عمدة نيويورك أن مشاركته في طرح مشروع قانون "ليس بأموالنا"، ودفاعه عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وتبنيه نهجا سياسيا قائما على الضمير تجاه الملف الفلسطيني لامس قلوب الناخبين بعمق.

تجربة احتجاز والدها وترحيله شكلت وعيها السياسي

ولدت لقواس ونشأت في بروكلين، وهي من الأحياء الخمسة لمدينة نيويورك الأمريكية، لأسرة فلسطينية هاجرت من الأردن إلى الولايات المتحدة، وتعرف نفسها بأنها ابنة لاجئين فلسطينيين نشأت في عائلة من الطبقة العاملة، وهي خلفية تحتل موقعا أساسيا في خطابها السياسي، إلى جانب تجربة احتجاز والدها وترحيله.

وتقول قواس: حتى الآن، يحتفل والدي بانتصاري مع أفراد عائلته في فلسطين، ويشتري "الكنافة" لكل أفراد العائلة. وهذا يجسّد واقع "فصل العائلات" الذي أتحدث عنه كثيرا؛ وهي ليست مأساة عائلتي فقط، بل هي معاناة تعيشها عائلات كثيرة جدًا. ما زال هذا الأمر يتكرر؛ فعندما يفصل المرء عن عائلته، تفوته بعض أجمل لحظات حياته وأكثرها تأثيرا وتحولا. وفي حالتي هذه، كان الفوز بمنصب سعيت جاهدةً للوصول إليه – خصوصا أنني لطالما كنت ناشطة ومدافعة عن القضايا بسبب ما حدث لوالدي - أمرا بالغ الأهمية. لقد كان غيابه وعدم وجوده ليشهد تلك اللحظة أمرا مفجعا لي ولعائلتي طلها.

الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا

يمكن ربط هذه التجربة الشخصية بمواقف قواس السياسية تجاه فلسطين؛ حيث انتقلت من معايشة تداعيات سياسات الهجرة والتمييز إلى تبني خطاب حقوقي أوسع يدافع عن الفئات المهمشة، ويربط بين العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة وخارجها، في مسار بدأ على مدى العقد الماضي، من خلال منظمة "الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا"، التي ارتفع عدد أعضائها من نحو 5000 عضو إلى أكثر من 100 الف عضو، موزعين على 200 فرع في جميع أنحاء الولايات المتحدة. 

زهران ممداني مرتديا زيا رياضيا يشارك المرشحين الاشتراكيين في نيويورك أحد المؤتمرات الانتخابية
زهران ممداني مرتديا زيا رياضيا يشارك المرشحين الاشتراكيين في نيويورك أحد المؤتمرات الانتخابية

وتقول قواس: "ما نطرحه داخل المنظمة هو أننا نريد ضمان حصول الأشخاص الذين يواجهون صعوبات حياتية على أفضل الخدمات الاجتماعية الممكنة من قِبل حكومتنا. هذا ليس تهديدا لأحد، بل هو رسالة تبعث على الأمل، وهو ما يتطلع إليه الكثير من الأمريكيين وغيرهم؛ ولهذا السبب تمكنا من تحقيق هذه الانتصارات الساحقة".

العمل على الأرض

تخرجت قواس عام 2014 من برنامج الدراسات الدولية في كلية سيتي كوليدج بنيويورك، وركزت على دراسة أوجه التشابه بين أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، وعملها مع مؤسسات تعنى بحقوق المهاجرين ومناهضة التنميط العرقي والمراقبة الشرطية.

وشملت تجربتها التدريب في مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية بنيويورك، ومشروع الباعة الجائلين التابع لمركز العدالة الحضرية، ثم العمل في تنظيم الشباب داخل الجمعية العربية الأمريكية في نيويورك.

الإبادة الإسرائيلية على غزة خلفت أكثر من 75 ألف شهيدا فلسطينيا
الإبادة الإسرائيلية على غزة خلفت أكثر من 75 ألف شهيدا فلسطينيا

وعلى امتداد رحلتها في عالم السياسة، تميزت قواس بحضور لافت جمع بين ثقة هادئة بالنفس، وقدرة على إدارة الحوار بـ"دبلوماسية هادئة"، دون الانزلاق إلى صخب استعراض المواقف. وبدت مؤمنة بأن الدفاع عن الأفكار لا يحتاج إلى صدام، وأن الهدوء قد يكون أحيانا أكثر تأثيرا من ضجيج الشعارات. واعتادت الظهور بملامح واثقة، وقبضتي يدين متشابكتين في أريحية، ونبرة تمزج بين الهدوء والإصرار، وكأنها تدرك أن الطريق إلى المؤسسات السياسية الأمريكية لا تمهده الشعارات وحدها، بل يشقه الصبر والقدرة على خوض معارك طويلة، حتى عندما يبدو الحوار وكأنه ينتهي إلى طريق مسدود.

أحلام تلامس السماء

وبين السماء والأرض، تحلق قواس بأحلامها قائلة: تخيلوا لو أنه بعد 7 تكتوبر 2023، قال كل سياسي ديمقراطي عبارة: "من أجل إنهاء حلقة العنف هذه، يجب وضع حد للاحتلال". تخيلوا لو قالوا جميعا: "نحن نريد إنهاء الاحتلال، ولا نريد تمويل الإبادة الجماعية". كان بإمكاننا إنقاذ حياة الآلاف، بل مئات الآلاف، من سكان غزة والفلسطينيين.

وتضيف: لهذا السبب نقول إن عالمًا آخر ممكن؛ عالم تنعم فيه غزة بحرية العيش، وعالم تتمتع فيه مجتمعات الطبقة العاملة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، بل وفي العالم أجمع، بحياة كريمة. إنه عالم كان يمكن فيه لوالدي -الذي جلاى تهجير عائلته من فلسطين خلال النكبة، ثم جاء إلى الولايات المتحدة ليسجن ثلاث سنوات ويرحل بعدها- أن يكون حاضرا بينكم اليوم، ليشهد ابنته وهي تصنع التاريخ.

لا تخفي قواس فرحتها بأن تكون "أول امرأة فلسطينية ومسلمة تدخل الهيئة التشريعية لولاية نيويورك"، مضيفة: هذا مهم لأسباب عديدة؛ فبعيدا عن مسألة التمثيل، أعتقد أن الأهم من ذلك -بصفتي فلسطينية- هو أنني أنتمي إلى شعب ظل ينتظر لسنوات طويلة جدا أن يرفع السياسيون أصواتهم ضد انتهاكات حقوق الإنسان، والإبادة الجماعية، واحتلال أرضنا، وأن يعلنوا بصوت عال أننا شعب تعرض للمحو والتجاهل، وسلبت حقوقه على يد من يمتلكون سدة الحكم في بلادنا.

الجريدة الرسمية