رئيس التحرير
عصام كامل

أهلًا بالأحزاب.. عندما يكون دورها بين الناس

18 حجم الخط

على الرغم من أنني خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة وتتلمذت على يد الكثيرين من أساتذة وخبراء السياسة والاقتصاد في مصر، فإنني لا أحب العمل السياسي، ولا أشعر بأنني أجيد التعامل في أجوائه، ربما لأنني على قناعة تامة بأن السياسة تحتاج إلى أشخاص لديهم صفات وقدرات خاصة أفتقدها.

وبعيدا عن السياسة بمعناها الحرفي المعروف، هناك أمور سياسية تستحق التوقف خلال هذه الفترة ومن أهمها من وجهة نظري المشاركة المجتمعية للأحزاب والمؤسسات والأفراد، والتي أصبحت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وفي ظل الارتفاع المستمر في الأسعار بمصر حيث أصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطن الذي وجد فجأة بأن ما كان يكفيه بالأمس ربما لم يعد يكفيه اليوم -وأيًّا كانت أسبابه- وفي بلد كبير بحجم مصر، وبما تحمله من ملايين المواطنين واحتياجات لا تنتهي، فلا يمكن أن تظل مواجهة هذه الضغوط مسئولية الدولة وحدها، وهنا يظهر دور المجتمع.. 

دور رجل الأعمال والمؤسسات والجمعيات والأحزاب السياسية أو أي جهة أخرى تقدم شيئا حقيقيا للناس، خاصة وأننا مررنا منذ عام 2011 بسنوات متتالية من الظروف الصعبة والأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية.

وإذا كانت السياسة في الأساس هي خدمة الناس والمشاركة في حل مشاكلهم، فلماذا لا تكون المشاركة المجتمعية واحدة من أهم صور العمل الحزبي؟ والسؤال هنا ليس عن حزب بعينه وليس دفاعًا عن تجربة سياسية أو هجومًا على أخرى، لأنني كمبدأ أرحب بأي دور حقيقي على أرض الواقع تقوم به الأحزاب لخدمة المجتمع، لأنه ببساطة شديدة أرى أن المواطن المصري في ظل الظروف الاقتصادية الحالية يحتاج إلى كل يد تمتد لمساعدته، لأن المواطن في النهاية لا يسأل: من فعل؟ بقدر ما يسأل: ماذا قدمت لي؟

وحتى يكون كلامي دقيقًا، أنا هنا لا أتحدث عن المساعدات والمشاركة المجتمعية على اعتبار أنها حلًّا للأزمة الاقتصادية التي تمر بها الدولة، لأن الحلول الحقيقة لها مسار آخر يتعلق بالإنتاج والاستثمار وفرص العمل وزيادة دخل المواطن بما يتماشى مع الزيادة المستمرة في الأسعار، لكنني أتحدث عن دور المجتمع في مساندة الدولة والمواطن.

وفي نفس الوقت يجب الاعتراف بأن بلدًا بحجم مصر في العدد السكاني لا يمكن أن يكون العبء على الدولة وحدها، نحن نحتاج إلى رجال أعمال يساهمون في علاج غير القادرين ومؤسسات تساعد في تطوير مدرسة أو مستشفى، وإلى حزب يصل للمواطنين في القرى والنجوع والمحافظات وإلى جمعية خيرية تقدم خدمة حقيقية لأهل منطقتها، فهذا من وجهة نظري المعنى الحقيقي للمشاركة المجتمعية.

قد يقول البعض إن دور الأحزاب سياسي.. وهذا صحيح.. لكن المشكلة أن هذا الدور السياسي قد لا يبدو واضحا بالشكل الكافي في حياة المواطن اليومية.. ولذلك عندما يجد المواطن حزبا موجودا بين الناس ويساعد في حل مشكلة أو يقدم علاجا أو يساهم في تعليم أو يدعم أسرة غير قادرة أو يشارك في تطوير مدرسة أو مستشفى فإنه على الأقل يشعر بأن هناك كيانا يراه ويشعر به، وهنا تأتي أهمية الإعلام الذي ينقل المبادرات بهدف تشجيع الأخرين على تكرار التجربة وليس لمجرد نشر الخبر فقط..

والفكرة هنا ليست في أن يتحول المجتمع إلى مؤسسة خيرية ولا أن تحل المساعدات محل الدولة، وإنما من أجل أن يكون هناك تكامل حقيقي بين الدولة والمجتمع، خصوصا أننا نعيش ظروفا اقتصادية صعبة، تجعل أي مساعدة حقيقية مهما كان حجمها قادرة على تخفيف جزء من الضغط عن أسرة تحتاج إلى العلاج، أو طالب يرغب في سداد المصروفات الدراسة أو مواطن يبحث عن فرصة تساعده على مواجهة أعباء الحياة.

وبصراحة.. نحن لا نملك رفاهية أن نقول: هذا دور الدولة فقط أو هذا دور الحزب فقط أو هذه مسؤولية رجل الأعمال فقط.. فكل شخص يستطيع أن يساعد يجب أن يساعد، وكل حزب قادر على الوصول إلى الناس يجب أن يصل إليهم، وكل مؤسسة لديها إمكانيات يجب أن تستخدم جزءا منها لخدمة المجتمع، أما الأحزاب التي تظل موجوده على الورق فقط ولا يعرف المواطن عنها أي شيء ولا يرى لها دورا في الحياة العامة فهي في النهاية تفقد أهم أسباب وجودها.

وإذا تحدثت بمنطق رجال السياسة.. أنا هنا لا أقول إن المشاركة المجتمعية تغني عن الدور السياسي للحزب بالعكس.. نحن نحتاج إلى الاثنين معًا.. نحتاج إلى أحزاب سياسية لديها برامج حقيقية وتشارك في الحياة السياسية بشكل فعال وتقدم كوادر قادرة على تحمل المسئولية وفي الوقت نفسه تكون قريبة من المواطن وتشعر بالمشاكل التي يعاني منها.

وفي النهاية.. الحزب الذي يتحدث عن الناس يجب أن يكون موجودًا بينهم.. والحزب الذي يريد ثقة الناس عليه أن يثبت أنه يشعر بهم.. فيا أهلا بالأحزاب السياسية إذا كانت تساهم في المشاركة المجتمعية بشكل فعال على أرض الواقع، وتكون موجودة بجانب المواطن وقت احتياجه بدلًا من أن تظل مجرد أحزاب وديكور على الورق، لا نراها ولا نشعر بدورها في الحياة السياسية والمجتمعية..

فمصر لا تحتاج إلى مزيد من اللافتات السياسة بل تحتاج إلى مزيد من الأفعال الواقعية.. والمواطن لا يحتاج فقط من يتحدث باسمه بل هو في حاجة إلى من يقف بجانبه.

وللحديث بقية طالما في العمر بقية.

الجريدة الرسمية