إعلام.. غسيل ومكواة
ليست كل عمليات الغسيل تستهدف الأموال، فبعضها يستهدف الحقائق، وبعضها الآخر يستهدف عقول المواطنين. وفي كواليس الإدارة، قد يصدر قرار مرتبك، أو تُفرض أعباء جديدة على الناس، ثم تبدأ عملية غسيل من نوع آخر: تُستدعى الأقلام، وتُفتح الشاشات، وتتحرك التصريحات، حتى يخرج القرار من مغسلته الإعلامية مرتديًا ثوب الحكمة، بينما تظل عيوبه كما هي!
إنه «غسيل القرارات»؛ حين يعجز المسؤول عن إقناع الناس بقراره، فيبحث عمن يقنعهم بدلًا منه، وحين تصبح مهمة بعض الصحفيين ليست كشف الحقيقة، وإنما إعادة طلاء الأخطاء بألوان براقة، وتسويقها للرأي العام باعتبارها إنجازات لا يفهمها إلا أصحاب الرؤية الثاقبة!
تبدأ العملية بقرار يثير الغضب أو يفضح خللًا في التخطيط. وبدلًا من أن يخرج صاحبه إلى الناس، معلنًا أسبابه، وكاشفًا دراساته، ومتحملًا مسؤولية نتائجه، تظهر فجأة تفسيرات جاهزة، ومصادر مطلعة، وخبراء يشرحون الضرورة التي لم يسمع بها أحد قبل صدور القرار. وفجأة، يتحول العبء إلى إنجاز، والارتباك إلى رؤية استراتيجية، والاعتراض إلى جهل بطبيعة المرحلة!
هنا لا نكون أمام إعلام يشرح القرار، بل أمام ماكينة تعمل على تنظيف صورته، لا مضمونه؛ ماكينة لا تسأل: هل القرار صحيح؟ بل تبحث عن إجابة لسؤال آخر: كيف نجعل الناس يصدقون أنه صحيح؟
والأخطر أن بعض من يتصدون لهذه المهمة لا يكتفون بالدفاع عن المسؤول، بل ينصبون أنفسهم حراسًا على أفواه المواطنين، ويوزعون الاتهامات على كل من يجرؤ على النقد، وكأن الاعتراض جريمة، والمطالبة بالتفسير خروج على الإجماع الوطني!
وبذلك، يتبدل موقع الصحفي من مراقب للسلطة إلى محامٍ عنها، ومن صاحب قلم يفتش عن الحقيقة إلى موظف علاقات عامة يرتدي بدلة الصحافة، ويستخدم أدواتها لخدمة رواية واحدة، لا تحتمل سؤالًا ولا تقبل مراجعة.
وليس كل دفاع عن قرار حكومي غسيلًا إعلاميًا، كما أن إثارة الجدل لا تعني بالضرورة أن القرار خاطئ. فمن حق المسؤول أن يشرح، ومن حق الصحفي أن يقتنع بما تثبته الأدلة. لكن الفارق جوهري بين صحفي يفحص المبررات قبل تبنيها، وآخر يتلقى الرواية الرسمية كما هي، ثم يعيد بثها على أنها اكتشاف خاص أو حقيقة نهائية.
فالصحافة ليست مطالبة بمعارضة الحكومة لمجرد المعارضة، لكنها ليست مطالبة أيضًا بتبرئتها قبل التحقيق. ومهمتها ليست إحراج المسؤول، وإنما إخضاع قراراته لاختبار الحقيقة، ومقارنة الوعود بالنتائج، والمبررات بالتكلفة، والخطاب الرسمي بما يلمسه المواطن في حياته اليومية.
والمفارقة أن المسؤول الذي يشتري الهدوء الإعلامي على حساب النقد الصادق قد يكون أول ضحايا هذه اللعبة. فحين تحاصره عبارات الإشادة، وتُحجب عنه الأصوات التي تكشف الخلل، يظن أن الأمور تسير على ما يرام، بينما تتراكم الأخطاء بعيدًا عن عينيه. وحين تصبح التقارير المريحة أهم من الحقائق المزعجة، تتحول الصحافة من أداة للإنذار المبكر إلى ستارة تحجب الخطر حتى يقع.
أما المواطن، فيدفع ثمن المشهد مرتين: مرة عندما يتحمل نتائج القرار، ومرة عندما يُطلب منه أن يصفق له، وأن يشك في غضبه، وأن يعتبر معاناته دليلًا على أنه لم يفهم حكمة المسؤول!
لكن الحقائق لا تُغسل بالمقالات، ولا تُصحح القرارات بكثرة المدافعين عنها. فالقرار لا يكتسب شرعيته من عدد الصحفيين الذين يشيدون به، وإنما من سلامة أسبابه، وعدالة آثاره، وقدرته على تحقيق المصلحة العامة.
المسؤول الواثق لا يخشى السؤال، ولا يحتاج إلى من يلمّع صورته كلما تعثر قراره. والصحفي الذي يحترم مهنته لا يمنح شهادة صلاحية لقرار قبل فحصه، ولا يخلط بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن أخطاء بعض المسؤولين؛ فالدولة أكبر من الأشخاص، والمصلحة العامة أسمى من المناصب، والحقيقة لا ينبغي أن تكون رهينة رضا أصحاب السلطة.
وفي النهاية، قد تنجح غسالة الإعلام في تبييض صورة القرار لبعض الوقت، لكنها تعجز عن غسل آثاره من حياة الناس. فالأموال لا تصبح مشروعة بتغيير مظهرها، والأخطاء لا تتحول إلى إنجازات بتغيير روايتها. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقرار الخاطئ ليس أن يُنتقد، بل أن يجد من يقنع صاحبه بأنه على صواب، ومن يقنع الناس بأنهم هم المخطئون.

