ما مدى اعتبار العادة والعرف من الأدلة الشرعية وما ضوابط ذلك؟
ما مدى اعتبار العادة والعرف من الأدلة الشرعية وما ضوابط ذلك؟ أجابت دار الإفتاء المصرية عبر موقعها على فيس بوك عن سؤال عما بيان مدى اعتبار عادات الناس وأعرافهم من ضمن الأدلة الشرعية. وما هي الشروط الواجبة لذلك؟
مفهوم العادة لغة واصطلاحًا
وقالت دار الإفتاء في إجابتها إن العادة لغة هي الدَّيْدَنُ يُعادُ إِليه، مَعْرُوفَةٌ وَجَمْعُهَا عادٌ وعاداتٌ وعِيدٌ. انظر: "لسان العرب".
وقد تطلق كلمة الدين ويراد بها العادة وكأن الجامع بينهما ملازمة الإنسان لكليهما ورجوعه إليهما في تصرفاته وأفعاله؛ قال العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (13/ 169): [والدِّينُ: الْعَادَةُ والشأْن، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا زالَ ذَلِكَ دِيني ودَيْدَني أَي عَادَتِي] اهـ.
والشيء المعتاد تألفه النفس؛ لأن صاحبه يعاوده أي يرجع إليه مرة بعد مرة، يقال: وتَعَوَّدَ الشَّيْء وعاودَهُ مُعاوَدَةً وعِوَادًا واعْتادَه واسْتَعادَه وأعادَه.
والعادة اصطلاحًا ترادف العرف، وهي: الأمر الذي يتقرر بالنفوس ويكون مقبولًا عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة، على أن لفظة العادة يفهم منها تكرر الشيء ومعاودته بخلاف الأمر الجاري صدفة مرة أو مرتين، ولم يعتده الناس، فلا يُعدُّ عادة ولا يُبنى عليه حكم، والعرف بمعنى العادة أيضًا..
حجية العُرف
وقالت دار الإفتاء إن الله تعالى يقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]؛ قال ابن النجار الفتوحي في "شرح الكوكب المنير": [ من أدلة الفقه أيضًا (تحكيم العادة) وهو معنى قول الفقهاء: إن "العادة محكمة"، أي معمول بها شرعًا؛ لحديثٍ يُرْوَى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، موقوفًا عليه وهو: «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ»، ولقول ابن عطية في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: إن معنى العرف: كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة، قال ابن ظفر في "الينبوع": العرف ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه.
وكل ما تكرر من لفظ "المعروف" في القرآن نحو قوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، فالمراد به ما يتعارفه الناس في ذلك الوقت من مثل ذلك الأمر.. فابتنى الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لهند رضي الله عنها «خُذِي وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ»،
ومن ذلك: حديث حرام بن محيصة الأنصاري رضي الله عنه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه: "أن ناقة البراء دخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل الحيطان حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل". رواه أبو داود وصححه جماعة.
"العادة محكمة"
وتابعت دار الإفتاء أن القاعدة الشرعية تقول: "الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ"، وهي من القواعد الخمس الكبرى المتفق عليها، والتي قيل فيها -أي القواعد الخمس- أن جميع مسائل الفقه الإسلامي ترجع إليها. ينظر: "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 7، ط. دار الكتب العلمية).
ومعناها كما جاء في "درر الحكام" (1/ 44): [يَعْنِي أَنَّ الْعَادَةَ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً تُجْعَلُ حَكَمًا لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. هَذِهِ الْمَادَّةُ هِيَ نَفْسُ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَكِتَابِ الْمَجَامِعِ، وَمَعْنَى مُحَكَّمَةٌ أَيْ هِيَ الْمَرْجِعُ عِنْدَ النِّزَاعِ ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ يُبْنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ] اهـ.
والعادة إنما تجعل حَكَمًا لإثبات الحكم الشرعي إذا لم يرد نص في ذلك الحكم المراد إثباته، فإذا ورد النص عمل بموجبه ولا يجوز ترك النص والعمل بالعادة؛ لأنه ليس للعباد حق تغيير النصوص، والنص أقوى من العرف؛ لأن العرف قد يكون مستندًا على باطل، أما نص الشارع، فلا يكون مبنيًّا على باطل،
وعلى هذا فمن المتصور أن يكون الفعل الواجب من العبادات، كما يتصور أن يكون من العادات؛ كما في إيجاب المعاشرة بالمعروف، فالواجب هنا لا يدخل في باب العبادات وإنما في باب المعاملات والعادات. ومما سبق يُعلَم الجواب عما جاء بالسؤال.








