رئيس التحرير
عصام كامل

نساء همت البشبيشي و"قميص جوز جارتي"

18 حجم الخط

“خمس عشرة دقيقة كاملة وينتصف الليل، هذا هو الوقت المناسب للاتصال بالأصدقاء”.. ربما لا تكون هذه الجملة مجرد عتبة زمنية لإحدى الحكايات، وإنما يمكن قراءتها كمفتاح دلالي للمجموعة كلها؛ فحين يقترب الليل من منتصفه، فهذا لا يعني بالضرورة أن الحكاية قد انتهت، بل إن هناك فسحة من الوقت لم نعشها بعد. 

خمس عشرة دقيقة هي رمز لما تبقى من العمر، تلك المساحة الزمنية التي قد تبدو قصيرة، إلا أنها كافية لاتخاذ قرار أو للبدء من جديد. والأصدقاء هنا رمز لكل ما يربط الإنسان بالحياة: الحب، والشغف، والآخر، والتغيير؛ وكأن المجموعة، في عمقها، دعوة لإعادة وصل ما انقطع بيننا وبين الحياة بكل معانيها.

من تلك الجملة أحببت أن أبدأ مقالي هذا، لقراءة في صفحات تحمل لمحات عفوية من يوميات نساء تتبادل مع الحياة الحب والفقد والإصرار على اكتشاف ذواتهن.

“قميص جوز جارتي” مجموعة قصصية للكاتبة والمخرجة همت النبوي البشبيشي، أديبة بثوب سينمائي مميز، بحكم دراستها بمعهد السينما وعملها بالتليفزيون المصري بعدة مناصب لسنوات، بالإضافة إلى عملها في مجال السينما ككاتبة سيناريو ومخرجة؛ كاتبة تصنع من الورق شاشتها الخاصة، ترسم شخوصها وتبث فيهم بقلمها أرواحا تلهو على الورقة البيضاء، تجيد المونتاج السردي، فبرغم قلة الحوار بالمجموعة، إلا أن الصورة السينمائية حاضرة في تحريكها للأحداث.

“قميص جوز جارتي” عنوان مثير للتساؤل.. يجعل القارئ يفترض المغزى ويضع احتمالات واحتمالات، ولكن بقراءة المجموعة يجد نفسه بين عالم من الإحساس المغلف بالفطرة والبراءة والجرأة في التعبير عن مشاعر المرأة بكل ما تحمله من تناقضات، تخلق مواجهة بين أنوثتها وذكورة الآخر، وتسمح له بالغوص في أفكارها حول الحياة.. كيف تراها، وكيف تعيشها، وكيف تعي حكمتها التي ربما تصل إليها في لحظة عبث!

تعتمد المجموعة على السرد الشاعري النفسي، الذي يقترب من الرومانسية الناعمة، وتروي الكاتبة أغلب قصصها بضمير المتكلم، فيخلق ذلك نوعا من المواجدة بين القارئ وما يقرأه؛ فالشخصيات تتحدث عن نفسها، عن أفكارها ومشاعرها، وكأنها تفتح للقارئ نافذة إلى دواخلها.. 

وفي بعض القصص تنتقل الكاتبة إلى السرد بضمير الغائب، فتتحدث عن الأشياء كأنها تراها فتنقلها لنا لنشاهدها، شخصيات من الواقع تستطيع أن تراها بالوجوه القريبة، أو ربما تجد نفسك بطل القصة أو بطلتها، وربما مشاركا في الأحداث.

وعلى الرغم من أن المرأة هي الحضور الأوسع في المجموعة، فإن الوجود الذكوري لا يغيب تماما، وإنما يظهر في قصتي “الرحلة” و“سمعنا الست”.. حضورا كاشفا لوجه آخر من التجربة الإنسانية.. ففي “الرحلة” يصبح الطريق امتدادا للذاكرة والعمر، بينما تتحول الموسيقى في "سمعنا الست" إلى جسر بين ماضٍ موروث وحاضر اختار مسارا آخر، ليعود صوت أم كلثوم كدلالة للمواجهة بين ما كان وما أصبح عليه الإنسان. 

وكأن الكاتبة، وهي تكتب عن الرجل، لا تخرج به من عالم المجموعة، بل تضعه أمام السؤال نفسه الذي يطارد شخوصها.. ماذا يبقى فينا من الحياة حين نمضي بعيدا عنها، وهل تكفي لحظة واحدة لاستعادة ما ظنناه انتهى؟

المكان يقترب من كونه بطلا مشاركا للأحداث، فنجده مفصلا بشكل بصري دقيق في الكثير من القصص، وأحيانا مشخصا ومؤثرا، فمثلا في قصة "هل أنا عارية حقا" يتحول البحر من مجرد خلفية للأحداث إلى كيان له حضور فاعل، فتقول الكاتبة: "كان البحر بلونه الداكن وهمهمته مع الهواء في الليل، أشبه بناسك وقور يرتل أوراد المساء"، فلا تكتفي بوصف إحساسها به، بل تتبادل معه الإحساس.

الزمان في “قميص جوز جارتي” متنوع، بين الخطي والاسترجاعي، قصص تحكي ذكريات، وقصص تسرد مواقف، وبين ذاك وذلك تتقاطع المشاهد بطريقة المونتاج السينمائي بحرفة المتخصص.

ومن اللافت تنوع الثقافات والمجتمعات داخل المجموعة، بين الحديث والقديم، وبين التمدن والريفية، ولعل من أكثر القصص تشويقا قصة “عفريت الست”، والتي تدور حول عادات شعبية متوارثة في حكاية عن طقوس الزار، صاغتها الكاتبة بسلاسة، وكأنك ترى.

لم تبتعد اللغة كثيرا عن المألوف، فبساطة الكلمة وراء سرعة وصولها دائمًا، ولكن النعومة في رسمها كانت سر انسيابها للمتلقي.

تمتاز المجموعة بوحدة بناء ذات نسيج شفاف، وبقدر شفافيتها يتماسك في أفكاره.. كيف يمر العمر دون أن نستكشف فيه معنى، وكيف تأخذنا الحياة برحلتها دون أن نأخذ زادنا منها وإليها، كيف تراهن النساء على سعادات لم تكتمل، وكيف يغزلن لأنفسهن أوقاتا يرتدينها وقت الحاجة وينتزعنها حين يردن التحرر!
النهايات لم تكن دائما متوقعة، تنوعت بين الرمزية والتأملية والواقعية، دون تقعير، برغم احتوائها على سؤال فلسفي عام: كيف نمر عبر الحياة دون أن نمارسها ونسمح لها أن تمارس دورها فينا؟!

الجريدة الرسمية