رئيس التحرير
عصام كامل

من الحقل إلى السوق.. كيف تحدد «فترة الأمان» سلامة المحاصيل من متبقيات المبيدات؟.. و34 محصولًا في برنامج الرصد بالأسواق المصرية

المبيدات
المبيدات
18 حجم الخط

بين لحظة استخدام المادة الكيميائية وموعد وصول المحصول إلى السوق، تمر رحلة طويلة من الاشتراطات والتحاليل والرقابة، يبقى عنوانها الأهم: ماذا تبقى من المبيد داخل المحصول؟ ومتى يصبح الحصاد آمنًا؟.. هنا تظهر «فترة الأمان» أو «فترة ما قبل الحصاد»، وهى المدة التى يجب أن تفصل بين استخدام المبيد وموعد جمع المحصول.

الدكتور عماد رمضان، مدير الجودة ورئيس مجموعة متبقيات المبيدات فى المعمل المركزى لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة فى الأغذية، يوضح أن هذه الفترة تمثل جزءًا أساسيًا من إجراءات تسجيل أى مبيد، ولا يمكن للمزارع تجاوزها، فإذا كانت التعليمات تشترط، على سبيل المثال، مرور شهر بين الرش والحصاد، فلا يجوز جمع المحصول وطرحه للبيع قبل انتهاء هذه المدة. وتحدد هذه الفترة بناءً على الدراسات والتحاليل التى تقيس تراجع متبقيات المادة فى المحصول، إلى أن تصل إلى الحدود المسموح بها.

لكن المسألة لا تتوقف عند التعليمات التى يتلقاها المزارع؛ فهناك منظومة أخرى تراقب ما يصل بالفعل إلى الأسواق.

عينة من السوق قد تكشف ما حدث فى الحقل

ضمن المشروع القومى لرصد متبقيات المبيدات، تتحرك فرق الرصد فى مختلف المحافظات والأسواق المحلية، وليس فى قطاع الصادرات فقط، وتسحب عينات من نحو 34 محصولًا من الأكثر تداولًا، بينها الطماطم والخيار والبطاطس ومختلف الخضر والفاكهة.

وتصل العينات إلى معمل متبقيات المبيدات ووحدة الرصد بالمعمل المركزى للمبيدات، حيث تخضع للتحليل على مدار العام. ويشير رمضان إلى أن البرنامج دخل عامه الخامس، وتُقيّم نتائجه وتُرفع تقاريره إلى الوزارة.

وعندما تكشف النتائج عن مشكلة، تتحدد الإجراءات بحسب طبيعتها؛ فقد يكون الأمر متعلقًا بمبيد مخالف، أو بمزرعة تحتاج إلى مزيد من المتابعة، أو بمنطقة تستدعى تكثيف الحملات الرقابية. وتُحال النتائج إلى لجنة مبيدات الآفات الزراعية لتقييمها ومقارنتها بالتشريعات المحلية والدولية وتحديد الإجراء المناسب.

ويشير رمضان إلى أن المعمل المركزى للمبيدات أعلن خلال العام الجارى نتائج تحليل عينات من الأسواق المحلية والصادرات، إلى جانب دراسات لتحديد فترات ما قبل الحصاد، فيما أعلنت وزارة الزراعة تنفيذ برنامج لرصد المتبقيات فى الأسواق المحلية شمل آلاف العينات.

عندما يصبح التصدير اختبارًا يوميًا للمزارع

وراء تشديد هذه المنظومة عامل آخر لا يمكن تجاهله: اتساع خريطة الصادرات الزراعية المصرية. يقول رمضان إن مصر تصدر منتجاتها الزراعية إلى نحو 156 سوقًا عالميًا، من بينها أوروبا وأمريكا واليابان، وإن قائمة الصادرات تضم نحو 300 منتج زراعي، ومع دخول المنتج المصرى إلى هذه الأسواق، يصبح الالتزام بالحدود القصوى لمتبقيات المبيدات والمواصفات الخاصة بكل دولة شرطًا لاستمرار وجوده على الرفوف العالمية.

وبحسب الأرقام التى يذكرها رمضان، ارتفعت قيمة الصادرات الزراعية المصرية من نحو 4 مليارات دولار قبل حوالى عشر سنوات إلى قرابة 9 مليارات دولار العام الماضي.

هذه الزيادة انعكست على طريقة إدارة عملية الإنتاج نفسها. فالشركات التصديرية الكبرى تضع ضوابط دقيقة للجرعات ومواعيد الرش وفترة ما قبل الحصاد، كما تتعامل مع مزارع صغيرة لتوفير احتياجاتها من المحاصيل.

ومع ارتفاع العائد المتوقع من التصدير، بدأ المزارع الصغير، وفق رمضان، فى الالتزام بدرجة أكبر بالمعايير المطلوبة، بعدما أصبح توريد محصوله إلى شركة تصدير فرصة للحصول على سعر أفضل من البيع فى السوق المحلية.

الكلوربيريفوس.. أزمة كشفت أهمية الحدود

من بين المواد التى أثارت جدلًا واسعًا فى ملف متبقيات المبيدات يأتى الكلوربيريفوس. ويؤكد رمضان أن لجنة مبيدات الآفات الزراعية تتابع المواد التى يتم حظرها أو تقييد استخدامها عالميًا، وأن مبيدات شديدة الخطورة تم استبعادها على مدار السنوات الماضية.

وبحسب روايته، تم وقف تداول الكلوربيريفوس فى مصر بعد أن تسبب فى مشكلة مرتبطة بالموالح قبل نحو خمس سنوات، واتخذت الجهات الرقابية إجراءات للتعامل معها، استمرت، وفق قوله، نحو ثلاث سنوات.

وكان الحجر الزراعى يتعامل بحزم مع الشحنات التى تظهر بها بقايا من المبيد، حتى عندما تكون المستويات منخفضة وفقًا للحدود والإجراءات المعمول بها فى الأسواق المستوردة.

لكن قصة الكلوربيريفوس تطرح سؤالًا أوسع: هل مجرد وجود اسم مبيد فى نتيجة التحليل يعنى أن المنتج خطر؟

يوضح رمضان، أن الخطر لا يتحدد بمجرد وجود المادة، وإنما يرتبط بالجرعة والتركيز وفترة التعرض والحد الأقصى المسموح به لكل مادة ومحصول وسوق، مشيراُ إلى إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وشدة أشعة الشمس والرياح فى مصر قد تسرع تحلل بعض المبيدات، لكنه يشدد فى الوقت نفسه على أن فترة الأمان تختلف من مبيد إلى آخر، ولا يمكن تعميمها.

كما يلفت إلى أن بعض المبيدات التى كانت تظهر فى الخضر والفاكهة قبل نحو عشر سنوات، خصوصًا مبيدات الأعشاب، أصبحت أقل ظهورًا مع توسع التصدير وتطبيق أنظمة المكافحة المتكاملة والحيوية.

الخطر لا يأتى دائمًا من المبيد المسجل

لكن هناك وجهًا آخر للمشكلة لا يرتبط فقط بطريقة استخدام المبيد المسجل، وإنما بالمبيد نفسه إذا كان مغشوشًا أو مجهول المصدر.

أحد خبراء متبقيات المبيدات، وهو عالم كبير طلب عدم ذكر اسمه، يؤكد أن لجنة مبيدات الآفات الزراعية تستبعد بصورة دورية المواد الفعالة والمبيدات التى يتم حظرها عالميًا، ويذكر من بينها الكلوربيريفوس والكاربندازيم.

فى المقابل، تمثل المبيدات المغشوشة تحديًا مختلفًا، إذ قد تحتوى على مواد فعالة مهربة أو محظورة، وهو ما يجعل مصدر المبيد جزءًا أساسيًا من منظومة السلامة؛ ولهذا تركز برامج التدريب والورش والندوات على توعية المزارعين بضرورة شراء المبيدات من مصادر موثوقة، بينما يرى الخبير أن الرقابة على السوق المحلية تحتاج إلى مزيد من الدعم، إلى جانب تغليظ العقوبات على المخالفين وتجار المبيدات المغشوشة.

بعيدًا عن أسماء المواد الكيميائية، يلفت الخبير إلى قاعدة أساسية فى تقييم المخاطر: أى مادة كيميائية يمكن أن تصبح خطرة إذا استخدمت بجرعة غير صحيحة؛ ولهذا تخضع المبيدات قبل تسجيلها لدراسات تشمل السمية الحادة والمزمنة والسمية البيئية، وتستخدم فيها نماذج حيوانية مثل الفئران والأرانب لتقييم المخاطر.

ولا تعنى نتائج هذه الدراسات تلقائيًا أن المادة ستسبب مرضًا للإنسان، وإنما تساعد فى تحديد مستوى المخاطر ووضع الحدود والاشتراطات والقيود اللازمة.

وينطبق الأمر نفسه على متبقيات المبيدات والأدوية البيطرية وغيرها من الملوثات، التى يجرى تقييمها بالاستناد إلى حدود ومراجع عالمية، فإذا كان الحد المرجعى لمادة معينة نصف جزء فى المليون، بينما يتعرض الإنسان بصورة متكررة إلى تركيز يبلغ جزءًا فى المليون، فإن مستوى التعرض يصبح أعلى من المرجع ويحتاج إلى تقييم للمخاطر.

«تكويد المزرعة».. محاولة لمعرفة القصة كاملة

إذا كانت المعامل تستطيع أن تخبرنا بما تبقى من المبيد فى المحصول، فإن السؤال الأهم يظل: من أين جاء هذا المحصول؟ وكيف تمت زراعته؟

هنا يرى رمضان أن تكويد المزارع يمكن أن يكون أحد أهم الحلول المستقبلية؛ فالحجر الزراعى بدأ بالفعل فى تطبيق منظومة التكويد، وإن كانت لم تشمل جميع المحاصيل بعد. والفكرة تقوم على منح كل مزرعة رقمًا يمكن ربطه بالمحصول والمبيدات المستخدمة وعمليات التفتيش والتحليل.

بهذه الطريقة يصبح للمنتج «سجل» يمكن تتبعه بدلًا من أن تنقطع صلته بالمزرعة بمجرد وصوله إلى السوق، لكن تطبيق هذه المنظومة على ملايين الحيازات ليس مهمة سهلة، خصوصًا مع تفتت الملكيات الزراعية، إذ يحتاج الأمر إلى تمويل وبنية معلوماتية ورقابية متكاملة.

نقلا عن الجريدة الورقية

الجريدة الرسمية