رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (29).. الموت سر الحياة

18 حجم الخط

تنظر الفلسفة إلى الموت على أنه جزء من الهوية الإنسانية الملازمة لوجودها منذ الميلاد. فالموت والحياة نقيضان يمثلان الوجود والعدم، وقد وُجِدا جنبًا إلى جنب في دورة متواصلة ووجود غير منفصل، ويأتي الموت عندما يفارق الوجود حالة الإمكان إلى حالة الاستحالة، فيحل الموت (العدم) محل الوجود العيني (الدازاين) كما تسميه الوجودية.

وليس الموت في الفلسفة تتويجًا لاعتزال اللاعبين ملاعب الحياة؛ لأن الموت لا يختص فقط بكبار السن أو المرضى، بل إنه لا يميز بين كبير وصغير أو بين صحيح وعليل، فهو الحاضر الحي في كل وقت. وهو تجربة ذاتية لا يعانيها إلا صاحبها، ولن يفهمها غيره، وإن مات العالم كله أمامه.

 

أما التصور الإسلامي للموت سواء في التمثلات الروحانية الصوفية أو الأصوليات السلفية على حد سواء فإنه ليس النهاية للوجود الإنساني، وإنما هو فاصل بين بدايات ونهايات مراحل الإنسان الوجودية. فالموت المستقر والمتيقن في أذهان جميع البشر هو بداية لمرحلة وجود أخرى لا متناهية الزمن، وهي الحياة المُثْلى التي ينعدم فيها الموت عَدَمًا حقيقيًا ؛ ليتحقق بذلك الوجود الحقيقي والكينونة المتعينة اللانهائية للإنسان. فالإنسان لم يخلق للفناء أو العدم بل للبقاء والخلود.

 

فالموت في الإسلام ليس عدمًا بل وجود خلقه الله إلى جانب الحياة ليؤدي مهمة فاعلة وظيفية: هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا.

وهذا الموت تجربة ذاتية لكن يعايشها الإنسان في الإسلام معايشة دائمة ومستمرة ومتجددة يوميًا: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر/٤٢)

 

وتتعدد صور الموت في الإسلام ما بين موتٍ وظيفيّ متجدد متكرر، وما بين موت وظيفي محدد. فالموت الوظيفي المتكرر هو ما أشارت إليه سورة الزمر ممثلًا في الوفاة بالنوم. أما الوظيفي المحدد فهو موتتان محددتان تعقبهما حياتان مختلفتان تمامًا من حيث الهُوية والمكانية:  

فإحداهما وأولاهما أرضية وموقوتة محدودة قصيرة الأمد ذات تَعَبٍ ونَصَبٍ.
أما الثانية الأخرى فسماوية أرضية أبدية غير موقوتة أو محدودة ذات نعيمٍ دائم أو شقاء دائم: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ) (غافر /١١)

  

فالحياة الأولى هي الحياة الدنيا التي ينجح الإنسان فيها إن عاشها كأنه عابر سبيل؛ لكونها مجرد مَمَرٍ ومَعْبر؛ وقد سُمِّيتْ الدنيا لدنوِّ قَدْرها وكذلك دنو عمرها؛ فإما أن يتركها الإنسان بالمغادرة وإما أن تتركه هي بالتخلي. وذلك على خلاف الحياة الأخرى التي سَمْتُها إما العُلوِّ والسُّمو الشديد. 

(كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ۝ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ۝ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ۝ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ۝ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ۝ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ۝ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ۝ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ۝ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ۝ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (سورة المطففين:١٨ - ٢٨)..

وإما السفول الذميم ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ  وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ).

 

أما الحياة الثانية فهي الحياة الحقيقية الأبدية الدائمة وبسبب الديمومة والأبدية وُصِفَت بالحيوان أي مطلق الحياة: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت / ٦٤).

 

ويأتي التأكيد الإسلامي على تجاور الموت والحياة وتحايثهما كموجودين منذ بدء خَلْق الوجود، ولذلك ليس بغريب أن الوجود الإنساني والحياة الإنسانية قد بدأت بالموت والعدم: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة /٢٨).

ولذلك يفتقد الموت لدى الصوفية أية صيغٍة من المرارات أو التخوفات من المجهول؛ لأنه بمثابة إذن بالولوج إلى لقاء المحبوب الأعظم: (مَن أَحبَّ اللهَ أحبَّ لقاءه، ومَن كرِه لقاء الله كره لقاءه)، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

الجريدة الرسمية