رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (27) خناجر في قلب العروبة

18 حجم الخط

قلب العروبة الذي منه انطلقت صيحة تحريرها من المحيط إلى الخليج حاملة مشاعل النور والتنوير وسحائب الخير والخيرات؛ لتتنزل بالغيث على أبنائها وبناتها الأشقاء والشقيقات قد بات اليوم يئِنُّ تحت جِرَاحٍ أثكلتها خناجرُ بأيدٍ كان ينتظرها في صَفِّه لا في ظَهْرِه.

 

ولعل شاعرًا لم يستطع أن يصور جدلية العلاقة بين مصر وشقيقاتها العربيات والإسلاميات كما صورها المُقَّنع الكندي قائلا:
وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي
وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفُ جِدّا

أَراهُم إِلى نَصري بِطاءً وَإِن هُمُ
دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شَدّا

فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم
وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا

 

فلم يقتصر الأمر في جدلية تلك العلاقة على نكران جميل مصر وفضلها على أمتها وأشقائها، بل وعلى العالم المتحضر كله إن أخذنا في الحسبان دور قدماء المصريين الحضاري فى تعليم العالم المدنية والأخلاق.

لأن نكران الجميل والجحود قد أصبح ما يشبه الثقافة السلوكية على المستويات الاجتماعية حولنا من جانب الصغار الذين ساعدناهم ليصبحوا كبارًا، والضعفاء الذين ساندناهم ليغدوا أقوياء، والمجهولين الذين غمرناهم بالعطاء ومددنا ليهم بِيضَ الأيادي كي يكون لهم موضع قدم تحت أشعة الأضواء في مقدمة الصفوف.

 

فمثل ذلك النكران لجميل مصر رغم قبحه لم تكن مصر لتقف أمامه طويلا وقد اعتادته من الجاحدين والناكرين، ولم تكن لتألم منه وقد عهدته طبعًا وديدنًا منهم، وكم استفاقت المرة تلو المرة على عميق معاناته، وكم سال منها نزيف جراحاته.

 

فقد كانت في كل مرة بوصفها الزعيم الغارم والشقيقة الكبرى تضمد الجراحات، وتلتمس للجاحدين الأعذار معلِّلة النفس بأن تلك طبائع بشرية تقتات من وقائع تاريخها وآدابها فتستخرج  أسوأها ؛ لتقتدي به وتعمل بموجبه سواء أكان منسوبًا في حكايته وصياغته إلى شاعر المعلقات زهير بن أبي سُلْمى أم إلى شاعر جاهلي مجهول قائلا:
جَزَى بنوه أبا الغِيلان عن كِبَرٍ
وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزى سِنِمَّارُ.

 

لكن ما لم يمكن التجاوز عنه أو السكوت أو التماس عُذْر ٍ أو المبادرة بصَفحٍ وغفران له هو الخيانة العلقمية التي تؤدي إلى محاولة هدم المجد وتقويض الكيان والمساس بالسيادة الوطنية وتهديد الاستقرار المصري باستلهام أو استنساخ تجربة ابن العلقمي في إسقاط بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله.

 

إذ يبدو أن ابن العلقمي لم يكن استثناء بائدًا في تاريخنا العربي، بل إنه جِينٌ راسخٌ بطبائع قبيلة الخيانة المتأصلة في نسله وأحفاده المعاصرين. فلم يكن إلا صورة معاصرة منه  تسليم الجولان دون قتال فى 1967م من قبل ابن العلقمي السوري حافظ الأسد وزير الدفاع أو بواسطته رئيسًا في 1973م.. 

ممما اضطر الجيش المصرى للتوغل في سيناء وفتح خطوط القتال وسحب الاحتياطي الاستراتيجي لأجل حماية الجبهة السورية بماترتب عليه من وقوع ثغرة الدفرسوار التي نفذ منها العدو إلى العمق المصري بمدن القناة، ثم اليوم الحاضر بتسليم سوريا بكاملها للهيمنة الصهيونية وتفكيك الجيش السوري إلى الحد الذي يتم فيه اعتقال 7 مواطنين سوريين من منزل تطل شرفاته على غرفة النوم الخاصة بقصر رئاسة (الشرع الجولاني) ابن العلقمي الجديد؛ وعلى شاشات التلفاز مشاهد نزهة قادة الكيان على التلال والمرتفعات والمواقع والقرى السورية.

 

وكانت صورة علقمية أخرى كربونية مكررة ببغداد العروبة أعادت بشاعة علقمية الماضي بقتل الخليفة المستعصم بالله وأسرته، فقد تم تسليم الرئيس صدام حسين وأبنائه للموت وتسليم بغداد للأمريكان وإسقاط العراق.

وتحرك ابن العلقمي في كل اتجاه بالمنطقة فأسقط ليبيا وقتل القذافي، واليمن وقتل عبدالله صالح، ويحاول اليوم وغدا حميدتو ابن علقمي السودان  تفكيكه وإسقاطه.

 

وما كدنا نتنفس شهيقا وزفيرا عقب تلك الحادثات الشانئات حتى خرج علينا بنو العلقمي بقافلة كاملة العلقمية تخطيطا وتدبيرا في حجرات أجهزة الاستخبارات المعادية وتنظيمًا وتمويلا وتنفيذا على أرض الواقع برًا وبحرًا وجوا في توقيت واحد مدروس بعناية بالتزامن مع الضربة الإسرائيلية لإيران.. 

ومع محاولات حميدتو احتلال المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، وبالتنسيق الاحترافي في الاختراق متنوع الوسائل لمطاراتنا وحدودنا البحرية والبرية بتجمعات عربية وأورويية وعربية ذات جوازات سفر أوروبية عازمة على اختراق الحدود والمساعدة في تنفيد مخطط التهجير القسرى لأهل غزة وإشعال جبهة سيناء بحرائق المواجهات العسكرية والإرهابية فی الوقت الذي تشتعل فيه جبهة الجنوب والجبهة الغربية، فيتشتت الجهد العسكري المصري بين ثلاث الجبهات؛ وأخطرها جبهة ماء نهر النيل التي يحاول ابن العلقمي فرْض الظمأَ والجفاف على أرض لم تخفض إلا لباريها الجبين.

 

ولأن ابن العلقمي حالة جينية وليس نزعة عِرْقٍ فإنه بصدد المحاولة بعد المحاولة بوسيلة أخرى ومخطط جديد لم ينته عند حدود مُسيَّرة ميناء دمياط التخريبية؛ فليس التخريب والحصار الاقتصادي وحدهما وسائل بني المقنَّع بل حروب الجيل الخامس والسادس ستكون لها الصدارة بثَّا للشائعات وتشويها للحقائق وشقًّا للصفوف وتثبيطًا للهِمم وتقويضًا للعزيمة وقتلا للأمل.


مما يستدعي اليقظة التامة والاستعداد الكامل، فإن كان ابن العلقمي لا يعرف اليأس فقلب العروبة النابض لا يعرف الانكسار أو الخضوع.

والسؤال المحير للألباب والعقول: لماذا يستهدف ابن العلقمي مصر رغم فضلها وفضائلها؟ أهو فحسب طبع الخيانة المتأصِّل والراسخ فيه؟ أم أن هنالك أسبابًا أُخر إلي جانب ذلك؟

والجواب.. لأن مصر هي الرباط المتين والحصن الحصين للعروبة والإسلام، والدرع والسيف للعرب والمسلمين الذي لا تقوم لهم بدونه قائمة.

 

فجيش مصر هو الذي قضى على التتار في عين جالوت وكفى البشرية خطرهم، وأنهى احتلال القدس وقام بتحرير المسجد الأقصى من قبضة الصليبية ودحر حملاتهم في حطين، ومصر هي التي تصدت للصهيونية واحتلال فلسطين منذ 1948م مرورًا بحروب 1967م، 1956م، ثم انتهاء بالانتصار العربي الوحيد على إسرائيل في معركة الكرامة في 1973م.

ومصر هي التي قادت وكانت الداعم والراعي والمساند لكل الثورات العربية ضد الاستعمار إلى أن نالت استقلالها من المحيط إلى الخليج، وكذلك هي المدافعة عن استقلال الدول العربية سواء التي سقطت في يد الهيمنة الصهيوأمريكية  أم التي لم تسقط كاملا بعدُ.

فإن سقط الجدار تهاوى سائر البنيان من بعده من المحيط إلى الخليج، وإن تمزقت قوة الجيش الوحيد القادر على مواجهة الأخطار والانتصار فى القتال ضد الاستعمار والهيمنة الإمبريالية فلن تقوم للعرب قائمة، وسترفرف نجمة بني صهيون من فوق أجواء الفرات إلى النيل.

وذلك ما لن يكون ومسطور في كتاب الله الكريم وقرآنه المجيد حدُّ محدود لمصربنيلها وواديها المقدس بسيناء الذى تجلّى منه رب العزة على أرضها، ودعا إليها عباده: ( وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ). ألا تبَّتْ يدا بني العلقمي.. وحفظ الله مصر

الجريدة الرسمية