رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (26).. يوم الفزع اللاديني الأكبر

18 حجم الخط

ونحن على أعتاب الاحتفال بانتصارات أكتوبر المجيدة كأن حفيد المشير قد أراد أن يستحضر رُوح جَدِّه القتالية، فصوَّب ضربةً صاعقةً أصابت اللادينية اللأخلاقية في مقتل لا نجاة ولا منجاة منه، وإن صرختْ مُسْتنفرة  أين المَفرُّ؟

فقدْ شاهتْ الوجوهُ وزاغتْ الأبصار وبلغتْ القلوب الحناجر من هَوْل صعقة الخسران المبين لأموال ممدودة وجهود شياطين شهودا تجمعت بقضِّها وقضيضها (أدعياء تنوير زائف؛ تُجَّار حداثة وعصرنة؛ دهاقنة علمانية)؛ ومهَّدتْ طوال قرن من الزمان بضروب شتى من آليات الإرضاع التضليلي تمهيدا لمَسْخ هُويَّتنا.. وتزييف وَعْيِنا.. وهَدْم ثوابتنا.. والنَّخْر كالسوس في تقاليدنا المجتمعية والأخلاقية.. وبيع الهوى بغثِّ الآراء وأجوف طبول الكلام.

 

فإذا بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تقرر ثلاثة من القرارات التي وَحَّدت بين مسارات التعليم الثلاثة بمصر (الأزهري؛ الكنسي؛ المدني) بالتوافق مع القيادات الدينية في المؤسستين على ضرورة ترسيخ الهوية الحضارية المصرية والانتماء الوطني وبناء شخصية الطلاب بالقيم والأخلاق.

 

فقد قررت الوزارة:
1. الدين مادة أساسية وشرط اجتيازها النجاح فيها بمجموع 70 %.
2. اللغة العربية مادة مجموع أساسية في جميع مراحل التعليم الحكومي والخاص والدولي 
3. مادة التاريخ رافد أساسي لبناء الوعي المعرفي للطلاب. 
ثم إلى جانب تلك القرارات المصيرية في تاريخ التعليم المصري أصدر وزير التعليم قرارا بأن تقتصر الاحتفالات بمدارس التعليم الدولي على ما يتوافق والتقاليد والأعراف المجتمعية المستقرة بمصر.

 

والهدف المتوافق عليه مؤسسيا ومجتمعيا من هذه  القرارات هو الحفاظ على الهُوية من مخاطر التحديات التي تواجهها من قِبل منظومات الإرضاع التضليلي الثقافية، بأجنحتها اللادينية واللاأخلاقية التي تستوجب إطلاق مشروع قومي لبناء الوعي الرشيد للتصدي لها.

 

وهذا ما قد كرَّسنا له جهدنا العلمي والثقافي والأكاديمي على مدار ربع القرن الماضي سواء فيما نحن بصدده من سلسلة مقالات (نافذة على الوعي)؛ أو ما سبقها  في سلسلة (لنحيا بالوعي) ذات الحلقات الخمس والستين بجريدة أخبار اليوم؛ أو ما بدأنا به ميدانيا من قبلهما طوال ستٍ من سنوات العمل الشاق في  مشروع (استعادة الوعي) الميداني بدار العلوم بجامعة القاهرة ؛ والذي كان له السبق مؤسسيا ومجتمعيا في إطلاق شرارة بناء الوعي في مواجهة المؤامرة على الهوية الحضارية والتماسك المجتمعي والانتماء الوطني.

 

وقبل بيان أهمية قرارات وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني التي يكفي رصد الردود الفزعة والمفجوعة لتيارات اللادينية اللأخلاقية مؤشرا عليها.

إذْ أن رد الفعل كان انفعاليا كارثيا تجاه القرارات سواء في مقالاتهم أم منشوراتهم أم فيديوهاتهم المصوَّرة؛ والتي يكادون أن يكونوا قد اجتمعوا فيها حول رمي وزارة التربية والتعليم ومدارسها بأنها قد أصبحت قندهار أو كابول المصرية وأن الوزير قد أصبح كبير الملالي، ولحسن حظ الوزير أن خلفيته الاجتماعية قد أنقذته من الاتهام المصكوك لدى القائمين على عمليات الإرضاع التضليلي بأنه خلية سلفية أو إخوانية مستترة.

 

وبعض هذه الردود من شدة انفعاليته قد جاء بتبرير مضحك لرفضه تلك القرارات قائلا بعدم جدواها لأن الدين علاقة بين الإنسان وربه وليس عملا تعليميا ؛ وأن تعليم الدين لن يفيد مثله مثل تعلم الجغرافيا والفيزياء بالمدارس والتي لن تجعل الطالب فيزيائيا أو جغرافيا بمجرد دراستها.

لكن الغريب أن فريق منشورات الاسكريبتات المتسهوكة بدوائر الإرضاع التضليلي من عُبَّاد الكراسي وعبدة المناصب وصائدي جوائز الدولة قد التزموا صمت القبور ومنعوا صبيانهم المستأجَرَة من النوح أو النباح على أمر قد قُدر.
وذلك خشية فقدانهم سبوبة العَظْمة الملقاة إليهم من الممسكين بتلابيب العمل الأكاديمي والثقافي ؛ فعضوا عليها بالنواجز والأضراس مُضَحّّين بحقوق التمسك باللامبدأ اللاأخلاقي الذي طالما قاتلوا لأجله.


ومع أن المادة 24 من الدستور تنص صراحة على أن اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني بكل مراحله مقررات أساسية في التعليم قبل الجامعي الحكومي والخاص؛ ومع أن وزارة التربية والتعليم أكدت أن هذه المقررات الدراسية تمثل «مواد الهوية» في المدارس. فإن نظام التعليم الرشيد هو الذي يجمع بين بناء الإنسان وبين صيانة الهوية والانتماء.. 

فالمدرسة ليست مصنعًا للمعرفة فحسب، وإنما مؤسسة لبناء الإنسان وصناعة الوعي وتجذير الهوية الحضارية والانتماء الوطني. وبالتالي تأتي حتمية تدريس الدين واللغة العربية والتاريخ في جميع مراحل التعليم والمدارس الدولية، وضبط الاحتفالات المدرسية بما يحفظ الهوية المصرية كفريضة وطنية واجبة.

 

لأن وزارة التعليم مسؤولة دستوريا عن مخرجات نظامها التعليمي: أي إنسان يصنع؟ وأي عقل يبني؟ وأي وجدان يكوّن؟ وأي انتماء يغرس؟ وأية هوية يجَذِّر؟
فالإنسان الذي يعرف لغات العالم ولا يعرف لغة وطنه، ويعرف تاريخ الأمم ولا يعرف تاريخ أمته، ويحفظ أسماء الرموز العالمية ولا يعرف رموز بلاده، ويتقن مناهج المعرفة الحديثة لكنه يجهل دينه وقيمه؛ إنما حصل على معرفة واسعة، لكنه فقد البوصلة التي توجِّه هذه المعرفة لتكون بنَّاءة.


ومن هنا فإن قضية تدريس الدين واللغة العربية والتاريخ ليست قضية مقررات مدرسية إضافية تزدحم بها جداول الحصص، وإنما هي قضية بناء الإنسان ذاته. فالدين منظومة لبناء الإنسان ؛ بناء للضمير، وتهذيب للإرادة، وتصحيح للرؤية، وإقامة للميزان الأخلاقي. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ).

وذلك ما يستهدفه النظام التربوي بالتعليم من الإنسان في نهاية المطاف: إنسانًا عادلًا، محسنًا، أمينًا، مسؤولًا، قادرًا على ضبط شهوته، واحترام الآخر، وتحمل مسؤوليته، والتمييز بين الحق والباطل والخير والشر.


فهذه كلها مقاصد تربوية لا يمكن أن تستغني عنها المدرسة في تكوين الضمير الأخلاقي للطالب الذي إن عرف حكم الأمانة وتربى على ممارسته فلن يغش في الامتحانات المدرسية أو يُدلِّس في بحوث الترقية الأكاديمية لينال بها درجة وظيفية بعيدة المنال عنه إلا بواسطة أرباب الإرضاع التضليلي.

 

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للتربية الدينية التي تجعل المعرفة الدينية قوة داخلية تضبط السلوك عندما يغيب الرقيب الخارجي. أما اللغة فهي جوهر الهوية وهي كما قال الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر: (اللغة بيت الوجود)؛
واللغة العربية على وجه الخصوص ليست مجرد لغة للتواصل وإنما هي ذاكرة أمة حضارية.

 

وإذا كانت التربية الدينية تحفظ للإنسان صلته بمنظومة القيم، فإن اللغة العربية تحفظ له صلته بذاكرته الحضارية. إنها الوعاء الذي تتشكل داخله المفاهيم، وتنتقل من خلاله الذاكرة، ويُبنى بواسطته الوعي. واللغة العربية بالنسبة للمصري ليست لغة رفاهية يختار أن يعرفها أو لا يعرفها؛ إنها لغة المجتمع، ولغة الثقافة، ولغة القرآن الكريم، ولغة تراثه  الأدبي والفكري والتاريخي الذي تشكلت من خلاله الشخصية المصرية والعربية.

والعربية هي اللغة الوحيدة في العالم  المعبِّرة عن حضارة أصحابها وهويتها ؛ فبها يُسمَّى عالَمهم الثقافي ومجتمعهم الإنساني وموطنهم الجغرافي وكيانهم السياسي وبها تسمى قوميتهم (العروبة)؛ وبها يُعرف الفرد منهم وإليها يُنسب بصرف النظر عن جواز سفره السياسي فيقال (العربي).

ولهذا فإن إضعاف العربية في المدرسة لا يعني فقط إضعاف مقرر دراسي، وإنما يعني إضعاف الصلة بين الإنسان ومخزونه الثقافي والحضاري والديني والاجتماعي والنفسي. أما التاريخ فليس سردًا للماضي وإنما صناعة للوعي
الحضاري والعلمي لبناء المستقبل بآلياته العصرية.

وبذلك لا تنفصل المقررات الثلاثة (الدين واللغة والتاريخ) عن بعضها وإنما تصنع مثلث الهوية في بناء الشخصية الحضارية ذات الخصوصية المصرية؛ فالدين يجيب عن سؤال القيم السامية الحتمية لحياة الإنسان الحضاري على الأرض؛ واللغة تجيب عن سؤال الذات الناطقة بالحق والخير والجمال؛ والتاريخ يجيب عن سؤال الجذور والامتدادات الحضارية التي تشكل وجهة المستقبل المجتمعي الذي يجب أن نصنعه. 

وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة يتكون الإنسان المتوازن: دين متسامح، ولغة متصالحه، وتاريخ كانت الدنيا ظلاما حوله وهو يهدي بخطاه الحائرين، وانفتاح متثاقف بلا ذوبان أو تبعية ذليلة كما تستهدف آليات الإرضاع التضليلي.

الجريدة الرسمية