رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (28)

خطابات العري تقويض للسلام الاجتماعي

18 حجم الخط

مجتمعٌ علَّم العالم الإنسانية المتحضرة إنسانية الأخلاق التي انبثقت من وَعيّ متميدن كَفَل له حيازة صَكِّ مِلْكية فَجْر الضمير كما صاغ ذلك هنري بريستد.

هذا المجتمع المُعلِّم السلوكَ والحضارة وآداب المعاملة وفنون العمارة والذوق والأناقة مُذ كانت الدنيا ظلامًا حوله وهو يهدي بخطاه الحائرين في زخمٍ وتراكمٍ شكَّل وعاءً حافظا بمنظومة أصيلة من التقاليد والأعراف المجتمعية المستقرة والمميزة له على مدار التاريخ القديم والوسيط والمعاصر.

 

ماذا يُراد بهذا المجتمع اليوم ؟ أهي القطيعة الحضارية مع هذا الإرث العريق وقطع الجذور والامتدادات المؤسسة لكيان فَجْر الضمير والتي تُشَكِّل جوهرًا أساسيا في هويته الأخلاقية؟ ويبدو أن ذلك هو المستهدف الحقيقي الوحيد من تلك الهَبَّات التي لا تفاجئنا على مدار الساعة من مسالك سدنة الإرضاع التضليلي.

 

فمن ذات منصة المرضعة التضليلية المتسهوكة صاحبة كربلائيات التباكي على الفلسفة وتحت مسميات الاصطلاحات المسمومة (الحرية، الاغتراب، التمرد، القلق الوجودي، سلطة المقدس، ثورة الجسد) انطلق اسكريبت الحرب على مؤسساتنا التعليمية الجامعية وقبل الجامعية بمجرد أن دَعًتْ تلك المؤسسات إلى ضرورة الالتزام بالضوابط السلوكية والأخلاقية والمظهرية، التي تحفظ للحرم الجامعي والمدرسي مكانته بوصفه محرابا لطلب العلم بقدسيته وسموه العقلي والإصلاحي والروحي، وليس بساطا أحمر مفروشا لاستعراض شذوذ مستحدثات تقاليع الموضة في الأزياء وقصات الشعور.

 

فتلقف الاسكريبت المتسهوك عدد من أدعياء ارباب الارضاع التضليلي وتجار الحداثة، ثم استنفر له أحد مشاهير أدعياء الإعلام المرئي؛ ليحقق له انتشارا واسعا؛ وليصبح زائعا على الطرقات مثل حبوب الحمل ومثل ثياب الرقاصات على حد عبارة الرائع نزار قباني.

 

وقد كنا بصدد الكتابة عن أمر آخر مما يتعلق بقضايانا القومية بعيدا عن قاذورات الفكر وأكدار الرأي، لكن لما دهى الوطن أمرُ هذه المأساة الأخلاقية التي يمثلها على المسرح الثقافي والإعلامي مَنْ يريد أن يأخذ المجتمع رهينة لنزواته التي يسميها تمردا، ولهرتلاته التي يسميها آراء، ولهلوساته التي يحسبها أفكارًا.

فقد اضطُررنا وفاء بواجب الوعي إلى التوقف أمامها نظرا لمخاطرها الآنية والمستقبلية على الأجيال القادمة التي ستحمل راية المسيرة.

 

فخطاب العُرْي وثقافة التَعَريّ المُرَوَّج لها في مسالك الإرضاع التضليلي بدوائر الحداثة مُتَّبِعَةً حَذْوَ النعل بالنعل ظاهرة العُري وفلسفة التعري التي دعا إليها الألماني ريتشارد أونوجويتر عام ١٩٠٦م بممارسة الحياة دون ملابس لاعتبارها تعيد الإنسان إلى حالته الطبيعية وتعزز ثقة الإنسان بنفسه لتزيل عنه عقدة الخجل المرتبطة بالجسد، وتحرره من القيود.

 

وقد تبنَّت الحداثة وما بعد الحداثة وكذلك تيار النسوية مفهوم العري بوصفه تأكيدا للحرية الفردية، مما ترتب عليه نشأة شواطئ العراة وأندية العراة التي يكون فيها العُريّ كاملا؛ أما العري الجزئي فسيظهر من خلال مسابقات ملكات الجمال ومن خلال الدعايات الإعلانية للمنتجات التجارية التي تكون واجهتها المرأة.

 

ومع أن الحداثة قد اعتمدت الحرية والفردانية المطلقة أصلا من أصولها لكن تبني العري يناقض هذا الأصل؛ لأن العري والتعري قد نقل المرأة إلى سلطة السوق وسطوة آلياته التي لا تقبل إلا مقاييس صارمة في الرشاقة وحجم الأعضاء وكذلك مقاييس صارمة لمساحات الجسد المكشوفة. وبالتالي تغيب عنها شمس الحرية في اختيار ماتراه من مَلْبس ومن هيئة جسدية.

 

ولم تتوقف خسارة المرأة لحريتها عند هذه الحدود بل قاد ذلك إلى تسليع المرأة فغدت محلا للقياس والوزن وضوابط العرض في الإطارات والفاترينات التي ستُعرض فيها.

ورغم أن العُري ميراث يوناني قد تلقفه الفن الأوربي في عصر النهضة ثم صاغه الألماني ريتشارد أونوجويتر في إطار فلسفي يضاهي به الفيلسوف أفلاطون الذي كان يحتقر المرأة ويدعو إلى ضرورة أن تعمل عارية دون أية ملابس وأن تكون مشاعًا بين الرجال كي لا يكون هناك تنافس عليها.

 

إلا أن العُري في الحضارات الشرقية ينظر إليه بوصفه خروجًا عن الآداب العامة ونشرًا للفحش ومنافاة للحياء.
فترفض معظم الثقافات التقليدية والشرقية هذه الممارسات، وتعتبرها تصادمًا مع منظومة القيم والأخلاق والحشمة إذ لا يتم النظر إلى الجسد بصفته كيانا ماديا منفصلا، بل يعامل بوصفه امتدادا للروح والكون، فترتبط الحشمة فيه بالتوازن الداخلي والتقدير الروحي؛ فالملابس وظيفتها حفظ صحة الجسد وراحته وليست وسيلة إغراء وإبراز لمفاتن الأعضاء: 
 

١. قدماء المصريين لم يمارسوا العري سلوكا في حياتهم الاجتماعية ؛ ولهذا جاءت النقوش أو التماثيل العارية معدودة شديدة الندرة؛ كما أنها جاءت رمزية للخصوبة والولادة والموت والبعث.

٢. الفلسفة الطاوية تنظر إلى الجسد بوصفه كونا مصغرا تتدفق فيه (الـتشي) الطاقة الحيوية..
٣. الفلسفة الكونفوشيوسية ترى الجسد أمانة وهدية من الوالدين يجب الحفاظ عليه واحترامه بالحشمة التي تعكس النظام والانضباط الذاتي واحترام الآخرين.


٤. الفلسفة الهندوسية الجسد فيها معبد للروح ووعاء مؤقت يحم (الآتمان)، وهو وسيلة لتحقيق الارتقاء الروحي. الذي يعطله العري والتعري.

٥. الفلسفة البوذية.. الجسد وسيلة للوعي وأداة عابرة مليئة بالمعاناة والتغير، فلا يجب التعلق به أو تقديسه، بل يجب الحشمة معه لتجنب لفت الانتباه والتفاخر بمحاسن الجسد.

 

وإلى جانب رفض أخلاق وأعراف الحضارات الشرقية ظاهرة العُري وثقافة التعري التي يسَوِّقها سدنة الفاحشة من خلال مسالك الإرضاع التضليلي فإن إغراءات تسويقها بإلباسها لباس الحرية المزعومة وتحقيق الذات الفردانية لم تعد تنطلِ على أحد إذ لا توجد حرية مطلقة في العالم إلا للمجانين؛ أما تلك الحرية التي يُسَوَّق بها العُري فهي مقصلة تتهاوى تحتها رؤوس القيم الأخلاقية والدينية السامية والأعراف المجتمعية المحافظة ؛ ومحرقة تتلظي في لهيبها فضيلة السِتر والعفاف والرقي الإنساني الذي يشكل الفارق بين الإنسان المتحشم والحيوان المتعري.

 

لذلك فإن التعري في حقيقته مقاربة مع الحيوان أو كما يقول الكاتب الفرنسي ميشيل تورنيي إنه بهيميّ. ولا شك أن القرآن الكريم الذي كرَّم الإنسان رجلا وامرأة وفضَّلهما بفضيلة السِتر والحشمة: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).. 

كان الأروع بيانا لحقيقة العري عندما عَيَّن مصدره الإبليسي في ربط بديع بين مسالك الإرضاع التضليلي في الدعوة للعري وتزيينه وتبريره وبين مسلك أخيهم الأكبر إبليس في قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ).

كذلك فإن مكمن خطورة تنامي ظاهرة العري وثقافة التعري وتواري فضيلة الستر والاحتشام؛ أنها تختزل الإنسان في جسده ؛ وذلك ليس مجرد اختزال بصري، وإنما هو اختزال للقيمة الإنسانية نفسها.

فالإنسان أكبر من مظهره، والمرأة أكبر من جسدها، فما يميز الإنسان في حقيقته ليس ما يُرى منه فقط، وإنما ما يحمله من عقل وضمير وإرادة وقيم ورسالة إنسانية وحضارية. وما أحط الإنسان الذي يريده تجار الحداثة وثكالى الارضاع التضليلي عندما تتحول قيمته إلى سعر يصبح الجسد فيه رأس المال في سوق الرغبة والمتعة.

وعند ذلك تتجاوز الخطورة المرأة فتنتقل إلى الإنسان نفسه؛ لأن التحضر الذي يهين الإنسان بتحويله إلى سلعة هو همجية وليس تحضرًا؛ والإعلام الذي يتربح من تجريد الإنسان من كرامته هو مفسدة وليس إعلاما؛ وكذلك الثقافة التي تجعل الإنسان عبدا لصورة جسده إنما هي جاهلية تستبدل عبوديةً قديمة بعبودية جديدة أكثر نعومةً وأشد فتكا.

الجريدة الرسمية