جمال الغيطاني، صحفي في ذاكرة أكتوبر
في صباح السابع من أكتوبر 1973، لم يكن العبور قد تحول إلى احتفال، فالمعركة لا تزال مفتوحة، والرجال الذين عبروا قبل ساعات يثبتون مواقعهم تحت ضغط القتال، وسط هذا المشهد وصل جمال الغيطاني، صحفي مؤسسة أخبار اليوم ومراسلها الحربي، حاملًا دفتره إلى المكان الذي بدأت فيه صفحة جديدة من الحرب.
لم يأتِ «الغيطاني» ليبحث عن صورة جاهزة للنصر، وإنما ليشهد لحظة تتشكل أمام عينيه، ويسجل ما قد يضيع وسط ضجيج المعركة.
كان يعرف أن الخبر العسكري لا يكفي وحده لنقل ما يحدث، أمامه جنود خرجوا لتوهم من القتال، وأرض تحمل آثار الساعات الأولى للعبور، وحركة لا تتوقف على الجبهة.
الغيطاني محررًا حربيًا
كانت عين الصحفي تبحث عن الوقائع، كانت عين الأديب تتوقف أمام التفاصيل التي تمنح الحدث معناه الإنساني، لم يرَ أمامه أرقامًا أو أسماء في بيان عسكري، وإنما رجالًا خرجوا لتوهم من المعركة، يحملون آثارها ويتطلعون إلى الوطن الذي تركوه خلفهم.
سؤال الجندي «الناس بتقول علينا إيه؟»
وبين الكلمات التي بقيت في ذاكرته سؤال أحد الجنود: «الناس بتقول علينا إيه؟» كان سوالًا بسيطًا، لكنه حمل ما هو أبعد من المعركة؛ عند هذه النقطة أصبحت الحرب بالنسبة إلى الغيطاني تجربة إنسانية بقدر ما كانت حدثًا عسكريًا، وصار اهتمامه منصبًا على ما يبقى من المعركة في الإنسان بعدما تنتهي أصواتها.
وقائع كُتبت بعين الأديب
تلك النظرة هي التي جعلت تجربة «الغيطاني» في أكتوبر تتجاوز حدود المراسلة الصحفية، التي يحمل خبرة المراسل الحربي، لكنه كان يكتب بعين الأديب، الذي يعرف أن التاريخ لا تحفظه الأرقام وحدها، وإنما تحفظه أيضًا الوجوه والأصوات والتفاصيل الصغيرة.
كتاب على خط النار يوميات حرب أكتوبر
وتحولت مشاهد الجبهة لاحقًا إلى مادة لكتاب «على خط النار.. يوميات حرب أكتوبر»، الذي حمل جانبًا من تجربته بين الجنود وفي قلب المعركة، وهكذا لم يعد دفتر الغيطاني مجرد وسيلة لتسجيل الحرب، بل أصبح ذاكرة للحظة التي رأى فيها العبور يتحول من خبر إلى واقع، ورأى رجالًا يعبرون القناة بالسلاح، فحاول أن يعبر معهم بالكلمة.
مشاهد الحرب جعلت تجربة «الغيطاني» الصحفية مختلفة، فجمع بين عين الصحفي التي تبحث عن الوقائع وعين الأديب التي تنتبه إلى التفاصيل التي قد تبدو صغيرة لكنها تصبح لاحقًا جزءًا من الذاكرة، تتوقف أمام الإنسان الموجود داخل هذه الأحداث، لأن هذا الإنسان هو الذي سيحمل أثر الحرب بعد أن تنتهي المعارك.
إعادة تشكيل الذاكرة المصرية
أصبح المراسل الحربي أمام حدث سيعيد تشكيل الذاكرة المصرية، وكان يعرف أن التفاصيل الأولى لأي لحظة تاريخية هي أكثر ما يهدده النسيان، لذلك ظل يسجل ويراقب ويستمع، محاولًا أن يحتفظ بصورة الحرب قبل أن تتحول إلى رواية مكتملة تختفي داخلها التفاصيل الصغيرة.
وقف الغيطاني بين عالمين متداخلين؛ الصحافة التي تطلب منه أن يسجل الحدث بدقة، والأدب الذي يدفعه إلى البحث عن المعنى الكامن خلف الحدث، وبين الاثنين تشكلت شهادته عن أكتوبر، فكان ينقل ما تراه عينه، لكنه كان يعرف أيضًا أن بعض التفاصيل لا تعيش إلا إذا وجدت طريقها إلى الذاكرة والكتابة.
دفتر المراسل وذاكرة الحرب
لم يبقَ صباح السابع من أكتوبر في تجربة جمال الغيطاني مجرد يوم تالٍ للعبور، وإنما أصبح لحظة رأى فيها التاريخ وهو يتحول من خبر إلى حقيقة على الأرض، رأى الجنود على الضفة الشرقية، ورأى العلم المصري يرتفع وسط القتال، وسمع سؤالهم عن الناس في الوطن، ثم حمل هذه التفاصيل معه إلى الكتابة.
