لا شىء مجانا!
عقل السياسي يتفهم تقديم دعم للمواطنين أو لقطاع منهم لمساعدتهم على الاحتفاظ بمستوى معيشي مناسب أو آدمي أو لتنشيط قطاع اقتصادي.. أما عقل التاجر فلا يستوعب ذلك ولا يتفهمه وينكره، لأنه يؤمن بأنه لا يوجد شىء في الدنيا يقدم مجانا، وإنما يتعين أن يدفع الثمن من يحصل عليه، وأن يتضمن الثمن هامشا أو قدرا من الربح، ولذلك يقال إن تسعة أعشار الربح في التجارة، وأقول أنا في مصر صار عشرة أعشار الربح في التجارة!
والحكومة تتعامل مع المواطنين بعقلية التاجر وليس بعقلية السياسي، رغم أن الإنسان في الدرس الأول لعلم الاقتصاد السياسي يسعى للحصول على أكبر منفعة بأقل تكلفة ممكنة، وليس بأعلى تكلفة كما هو حادث عندنا. لذلك هي -أي الحكومة- منهمكة الآن بخطى سريعة في التخلص مما تتحمله وتحملته حكومات سبقتها منذ الحرب العالمية الثانية من دعم، خاصة دعم المنتجات النفطية والكهرباء ومياه الشرب، بل وتحقيق ربح فيما تقدمه من خدمات للمواطنين مثل شهادات الميلاد والوفاة والزواج والطلاق، وبطاقات الرقم القومي ووثائق السفر والشهادات المدرسية والجامعية وخدمات ترخيص السيارات والقيادة.
ورغم أن قدرا من هذا الدعم كان على الورق فقط ولم يستفد منه فعليا المواطنون لآن انخفاض الجنيه رفع أرقام الدعم، إلا أن الحكومة شرعت فورا لزيادة أسعار المنتجات البترولية والكهرباء، وبات المواطن يدفع ثمنا لما لم يحصل عليه من سلع أو خدمات..
وحتى إذا تجاوزنا عن ذلك فإن المسئول عن انخفاض الجنيه الذي رفع أسعار الطاقة هي الحكومة بما انتهجته من سياسات اقتصادية ومالية ونقدية، لكنها بعقلية التاجر تسعى لتحميل المواطن كل شىء وترغب في أن تبيع له الطاقة بسعر غير مدعوم، بل وتحقق ربحا أيضا، رغم أن الدعم ليس بدعة مصرية أو اختراع مصري وإنما تلجا إليه العديد من الدول ومن بينها زعيمة الاقتصاد الحر، الولايات المتحدة، وتقدمه للعاطلين لديها ومن يعملون أيضا مثل الزراع.
